كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على أمّته يدلّهم على الخير، ويحذّرهم من الشر، ولمّا خطب فيهم في آخر أيامه في الحياة الدنيا، قال له بعض الصّحابة: يا رسول الله كأنّها خطبة مودّع، فأوصنا؟ قال: (تركت فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي). فجعل - صلى الله عليه وسلم - وصيّته لأمته: المحافظة على القرآن الكريم؛ ذلك أن الأمة لا تزال بخير، ما دامت حريصة على هذين المصدرين، اهتماماً وتطبيقاً. وإن من الاهتمام ترسيخهما في أذهان النّاشئة: حفظاً وفهماً؛ لأنّ العلم في الصغر كالنّقش في الحجر. واهتمام الأمّة الإسلامية بتعليم أبنائها القرآن الكريم، لأنّه خير ذخيرة لقلوبهم وعقائدهم وخير مدّخر للتصدي به ضد هوى النفوس ووساوس الشّيطان وسند منيع يحمي الله به قلوبهم وديارهم من تسلط أعدائهم، وفي بلادنا التي استيقظت من غفوة، ونهضت من سُبات، إنّما كان سلاحها في محاربة الجهل، والقضاء على النّزعات، بتعلّم القرآن، في أول مدارس أسسها الإمامان: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - في الدرعية، على ركيزة صلبة هي الانطلاق بالعلم في ضوء القرآن والتبحر في علومه، وهذا هو ميراث النبوة، ثم كان الاهتمام يزيد مع الأيام والدائرة تتسع في الدور الثالث من أدوار الدولة السعودية بقيادة المؤسس الباني الملك عبد العزيز - رحمه الله -، حيث حرص على تمكين وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في توطين البادية بالهجر وزوّدهم بالمشايخ لتعليمهم كتاب الله وتأديبهم بآدابه، حتى زالت عنهم جفوة البادية؛ فرقّت القلوب وتحضروا وتعلّموا وألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخواناً. ذلك أن في القرآن منافع وفوائد، وترشيداً للعبادات، وأماناً من الفتن، فقد روى الترمذي وغيره في فضل القرآن حديثاً عن الحارث بن عبد الله الهمداني - الأعور - قال: مررت في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليّ بن أبي طالب فأخبرته.. فقال: أو قد فعلوها؟. قلت نعم. قال: أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ألا إنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟. قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يُخلق من كثرة الرَّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}، من قال به صدق، وعمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم). (رقم 2908 في ثواب القرآن). والنّص القرآني يمكن لدى المسلم الاهتمام بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى فهو المنهج التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم؛ فقد أمرنا الله بذلك بقوله سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(7)سورة الحشر. ويقول تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(132)سورة آل عمران، في آيات كثيرة تأمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدم مخالفته، لأن طاعته من طاعة الله. هذه الأوامر الإلهية، لقيت قلوباً مؤمنة، وأفئدة متفتحة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لتعمق الشعور عندها، فحرصت على التطبيق عن قناعة وإيمان فكان في ذلك الخير والسعادة.. والخير باقٍ في هذه الأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن قال: هلك الناس فهو أهلكم. وفي هذه البلاد التي نرجو أن تكون الأمة المنصورة فيهم، تأصّل فيهم الاهتمام بكتاب الله، وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ ثبتت الدعائم، وتمّتْ الوحدة الوطنية، بقيادة قائد المسيرة ثم تسلّم الراية بعده بنوه، سائرين على الدرب، ومترسمين الخطى، وبذلوا في هذا السبيل: المال والجاه والتشجيع. ففي غضون الأيام القليلة الماضية، احتفل بمناسبتين ذواتي عمق وأصالة، الأولى: جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود العالمية للسنّة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة المقامة في المدينة المنورة، والثانية: جائزة سلمان بن عبد العزيز آل سعود لحفظ القرآن الكريم للبنين والبنات. وهاتان الجائزتان ليستا الوحيدتين، في الدعوة إلى حفظ كتاب الله، وبذل الجوائز في التّسابق لتحصيل قدر أكبر من كتاب الله، ولكنهما من الدوافع العديدة التي يحرص عليها ولاة الأمر في هذه البلاد ترسماً لخطى المؤسس الملك عبد العزيز - رحمه الله - الذي سنّ هذه السنّة الحسنة، وانغرست جذورها فيمن جاء بعده، لأن التشبه بالكرام فلاح.. فكانت الجوائز في مسابقات حفظ القرآن، شاملة أطراف البلاد العديدة في توعية وارفة الظلال وجهود يتسارع إليها الناس، بدافع المحبّة والنيّة الصادقة. ولا تجد مدينة أو قرية في البلاد الواسعة الأرجاء، إلاّ وخلايا النحل من البراعم الصغيرة تندفع بحماسة في تنافس شريف للنّهل من ذلك النبع العذب، والمواطن يسارع مع المسؤول في التّشجيع والحثّ والدّفع، لعلّه يكون شريكاً في الأجر لمن يحفظ شيئاً من كتاب الله، سواء كان هؤلاء الحافظون صغاراً أو كباراً، نساءً أو رجالاً؛ إذْ في كل مسجد حلقات وفي كل يوم مسابقات، ومع إطلالة كل شهر تُدفع الجوائز المرغبة في حفظ ما تيسر من كتاب الله؛ لأن خير التشجيع ما يكون في تعليم القرآن والسنة، وأفضل النّفقة ما يبذل في هذا السبيل، وخير الأعمال ما يرتبط بالحثّ على كتاب الله وسنة رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -. وما دام المسؤولون هم المشجّعون والباذلون فإن الرغبة تزداد والنّاس على دين ملوكهم.. وكبرهان على ذلك نذكر كبريات المسابقات التي ترعاها الدّولة ويهتم بها المسؤولون: بذلاً وحثّاً، ومتابعة وتشجيعاً: 1 - مسابقة الملك عبد العزيز الدّولية لحفظ القرآن الكريم، وتلاوته وتجويده وتفسيره التي تنظّم في مكة المكرمة. 2 - مسابقة سمو ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز لحفظ القرآن الكريم بالحرس الوطني، وهذه تقام في الرياض. 3 - مسابقة الحرس الوطني لحفظ القرآن الكريم، وهذه تقام ضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة منذ عام 1413هـ في الرياض في الجنادرية، ومثلها تخفيف مدة السجن لمن يحفظ شيئاً من القرآن في إدارة السجون. 4 - جائزة سمو النائب الثاني سلطان بن عبد العزيز الدّولية لحفظ القرآن الكريم للعسكريين، وترعاها وتشرف عليها: إدارة الشؤون الدينية في القوات المسلحة، بهدف تشجيع العسكريين على حفظ القرآن الكريم. وغيرها من الاهتمامات التي لا تخلو منها مدينة أو قرية في المملكة، ممّا نرجو معه إخلاص النيّة، وصدق العمل، لعل الله أن يجعلهم ثباتاً وعملاً، من أهل القرآن، وأهل السنة المهتمين بهما، والعاملين بهما، والآخذين بهما منهج حياة وتربية صالحة؛ (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله) رواه مالك في الموطأ. صالح وقومه أرسل الله صالحا، إلى ثمود وديارهم، فكذّبوه وعاندوه، وله معهم مواقف، منها: أن ملكهم كان له ابن عم اسمه هذيل من المعاندين لنبي الله صالح، فقال له: يا هذا ستموت هذا اليوم أنت وولدك وأهلك، وفي غد يموت أبوك وأمّك؛ فعجب الناس وجزعوا وخاف الملك. وأقبل صالح فقال: يا آل ثمود، كيف كان هذا الميت عندكم؟ قالوا: خير رجل حتى مات. قال: فإن أحياه الله بدعائي أتؤمنون بي وبإلهي، وتبرأون من أصنامكم؟ قالوا: نعم فجاء صالح إلى الميّت فدعا ربه ثم ناداه باسمه فقال: لبّيك يا نبيّ الله، وقام وهو يقول: لا إله إلا الله صالح عبد الله ورسوله؛ فلما عاين قومه ذلك، ازدادوا كفراً، ودخلوا على صنمهم وشكوا ما يلقونه من صالح، فنطق إبليس من جوفه وقال: انصرفوا إلى ما أنتم عليه، وإذا رأيتم صالحاً فقالوا: ائتنا ببرهان كما أتى به هود؛ فخرجوا مسرورين حتى أتوا صالحاً. فقال لهم: قد رأيتم وسمعتم كلام الوحش والطير وإحياء الموتى وغير ذلك من الآيات ما فيه كفاية، فأيّ آية تريدون؟. قالوا: نخرج وإياك إلى هذا الوادي، وندعو وتدعو، وننظر أيّ الدعوتين تستجاب، وتواعدوا فلما حان يوم عيدهم اجتمعوا وخرجوا بأصنامهم وزينتهم، وأقبل صالح يخترق الصّفوف حتى وقف أمام ملكهم، ودعاه إلى الإيمان بالله. قالوا: أرنا آية. قال: ما تريدون؟. قالوا: أخرج لنا ناقة من هذه الصّخرة ونؤمن بك، ونعلم أنك صادق، قال: إن ذلك هيّن على ربي ولكن صِفُوها لي. فأقبل القوم يصفون حتى أكثروا؛ فقال الملك: إنهم أكثروا وأنا أصفها بما في قلبي، تكون ناقة ذات فرث ودم، ولحم وعظم وعصب وعروق وجلد وشعر يخالطه وبر، وتكون شقراء بياضها مختلط بحمرة، هيفاء ولها ضرع كأكبر ما يكون من القلال، يدرّ من غير أن يستدرّ، يشخب لبناً غزيراً صافياً، ويكون لها فصيل يتبعها على مثالها، فإذا رغت أجابها، بمثل رغائها، ويكون حنينها الإخلاص لربّك بالتوحيد، والإقرار لك بالنبوة، فإن أخرجتها على هذه الصّفة آمنّا، فأوحى الله إليه: أن أعطهم ما سألوا. فأخبرهم فزادوا في الشروط، قال: أتؤمنون حقيقة بعد هذا؟. قالوا: نعم، ثم قال: قد شرطتم شرائط كثيرة، وأنا أشترط عليكم: لا يركبها أحد منكم، ولا يرميها بحجر ولا سهم، ولا يمنعها من شربها ولا فصيلها. قالوا: هذا لك يا صالح، فأخذ عليهم المواثيق. (نهاية الأرب للنويري 13: 78 - 80).
|