أوربا السائرة نحو الاتحاد، سيكون لها موعد مهم مع التأكيد على هذا الخط الذي اختطته لنفسها من خلال قادتها وشعوبها، فهي قد تجاوزت في اتحادها الكثير من القوانين الإجرائية، كما تجاوزت إحدى العقبات الكبرى وهي العملة، حيث أصبح اليورو العملة الوحيدة بعد أن تخلت الدول عن عملاتها التاريخية مثل الفرنك الفرنسي والمارك الألماني والبسيتا الإسبانية، والليرة الإيطالية وغيرها. لقد اجتمع القادة فأقروا الدستور الذي تمت صياغته من خلال لجنة رئيسها الرئيس الفرنسي السابق ديستان، لكنهم في الفترة القريبة القادمة سيكونون على موعد مع الاستغناء عن هذا الدستور من خلال كلمة الشعوب وثقتها فيه، غير أن الكثير من المعطيات تتداخل في مثل هذه الأحوال، فالبعض قد يصوت مع الدستورأو ضده دعماً لقيادته أو انتقاماً منها، وبالتالي فكأنما هذا الاستفتاء دلالة على تأكيد الثقة في القيادة من عدمها، وهذا البعض الذي ربما يكون قليلاً إلا أنه سيكون مؤثراً ولاسيما إذا كانت النسبة بين التأييد والرفض الموضوعي متقاربة. إن الكثير سيكون حريصا على ما سيفضي إليه الاستفتاء على الدستور في فرنسا، ومن بعدها هولندا ولاسيما أن استطلاعات الرأي الحالية لا تعطي مؤشراً للموافقة التلقائية، بل هناك مد وجزر قد لا تتضح الرؤى حوله إلا عند قرب الموعد المحدد. القادة الفرنسيون الألمان سعوا بكل قناعة لدفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام ولم يكن مقتصرا على القيادات فحسب بل إن الأحزاب المعارضة وضعت يدها في يد الأحزاب الحاكمة لإنجاز هذا الحدث الهام غير أن الشعوب قد يكون لها رأي آخر قد لا يتماشى مع آراء الساسة، والعالم أجمع سيكون في انتظار ما سينتج عن ذلك الحدث المهم. أوروبا في توجهاتها السياسية غير موحدة بالشكل المطلق مع اتفاقها على الخطوط الأساسية للمواقف السياسية، ولذا فقد وقفت فرنسا والمانيا وبلجيكا وغيرها ضد الحرب الأمريكية على العراق دون تفويض واضح من الامم المتحدة، وليس تفسيراً عسيراً للقرار الشهير الذي بموجبه أصبحت الحرب واقعا عاشه العالم، ولاسيما كلمتين هما (عواقب وخيمة). وفي المقابل فقد وقفت بريطانيا وإسبانيا بحكومتها السابقة وكذلك رومانيا وبلغاريا وصربيا وغيرها مع الحرب أو شاركت فيها، وهذان الموقفان يدلان دلالة واضحة على أن هناك خطين اوربيين في المجال السياسي أحدهما أنجلوسكسوني تتزعمه بريطانيا ومتجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وآخر أوروبي مستقل تقوده فرنسا والمانيا، هذا التناقض في المواقف قد لا يكون بالضرورة قائماً في جميع الأحداث التي قد تحدث في العالم، كما أن تلك الدول التي اتخذت منحى معيناً نحو الحرب على العراق، قد تتناقض مع بعضها في مواقف أخرى، فتتكون تحالفات جديدة مع تبادل للمراكز والمواقف، بل قد تغير الدول موقفها من حدث معين إذا تغيرت حكوماتها، كما حدث في إسبانيا حيث كانت الحكومة السابقة مع الحرب على العراق وأبقت قواتها هناك، وبعد مجيء الحكومة الجديدة أصبح الموقف متبايناً مع سابقه، وقامت الحكومة الجديدة بسحب قواتها من العراق. القادة الذين في سدة الحكم الآن سيكونون محل ثقة شعوبهم أو قد لا يكون ذلك، من خلال الانتخابات التي كانت أولها تلك الحادثة في بريطانيا، ومن البديهي أن نجاح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في هذه الانتخابات ليس بالضرورة دلالة على تأييد شعبي لكل ما اتخذه من مواقف سياسية بل كان تصويتا له بسبب شخصيته الجذابة ومقدرته على توظيفها توظيفاً صحيحاً، وكذلك الوضع الاقتصادي الجيد الذي عمل على تحقيقه وزير المالية البريطاني الذي عمل الكثير لإبقاء الاقتصاد البريطاني قوياً رغم الهزات التي أصابت اقتصاديات بعض الدول. إن أوربا القديمة والحديثة ستظل فاعلة في القضايا العالمية ومؤثرة على السياسة والاقتصاد العالمي بفضل نجاحاتها السابقة والحالية، غير أنها تحتاج إلى مزيد من الدفع إلى الامام في ظل المتغيرات القادمة، ولاسيما من عمالقة - الشرق الصين والهند - مع استمرار الولايات المتحدة في قيادة العالم حتى الآن.
|