|
|
انت في
|
|
وقفت على جادة الشارع المقابل لمنزلهم الكائن في أرقى أحياء المدينة، ثيابها رثة وشعرها قد نفش عن رأسها وكأنها حشائش حادة تتقافز من موطنها، وعلا وجهها سواد الضياع والدوران في شوارع البلدة وأزقتها المتسخة، وقفت سارة وبهيئة لم يصدق أحد أنها ذات يوم ستظهر بهذا المظهر البالي والباعث على الشفقة، ولو سألت جيرانها المقربين لما عرفوها لتبدل هيئتها التي نشأت عليها، فقد ولجت إلى هذه الحياة وفي فمها ملعقة من ذهب زينت منذ ولادتها بأقراط الذهب وكأنها أميرة متوجة على عرشها، وكيف لايحق لها ذلك!! ووالدها من أعيان البلدة ومن كبار التجار فيها، وكيف لايتسنى لها تلك الحياة وهي وليدتهم الوحيدة التي أقطرتها عليهم الحياة بعد انتظار وطول صبر، تلكم كانت سارة ربيبة المنزل المدللة وجماله المزدان وريحانته المزهرة، إلا أنها الان خارج حرم القصر المهيب بعد أن كانت سيدته، ترمقه من بعيد والصعيق يلفحها من كل اتجاه، تذكرت الفراش الدافئ الوثير وأجهزة التدفئة الحديثة على أعلى طراز، وانقلب حالها إلى أن تعاني مما لم تكن يوماً تعاني منه، استدبرت منزلها وانطلقت في زقاق ضيق يعكس العالم السفلي للبلدة المتطورة وظلت تسير الى أن توقفت عند باب ملطخ بأصباغ وكتابات ساقطة منحرفة أبداها منحرفو تلك المنطقة، ولجت إلى الداخل لتستقبل شاباً في ريعان الشباب طريح الفراش عليل البدن وجهه مكفهر ترتفع منه حرارة عنيفة وكأنه قطعة لحم تتلظى تحتها نيران مضطرمة، وزادت مأساتها أضعافاً مضاعفة وانحدرت من عينها دمعة حارقة سحب مع سواد تلطخت بها وجناتها، وسرحت في عالم الماضي فبعد أن أمكن لها الفرار من المنزل الذي عاشت فيه، ها هي تعاني من فقد حبيبها الذي تركت الدنيا كلها لأجله، تركت الثراء والهناء والأموال المغدقة وارتضت العيش تحت خط الفقر المدقع وشظف العيش المرير... نعم!!... وما كانت لتفعل ذلك كله من فراغ بل كان حباً يخنق قلبها لذلك المريض (سعد) الذي اغتال المرض وسامته وذابت مع موجة الحمى العارمة، لم يكن فرارها لحظة قرار اتخذ ونفذ في سويعات بل كان فرارها بعد محبس رهيب تعرضت في قصر والدها وبعد أن حاول الشاب الطموح (سعد) الارتباط بها أكثر من مرة إلا أن الإستقراطية التي كان يعيشها الوالد أبت أن ينزل من عرشه إلى مستوى الكادحين فكان رفضاً مبررا بحجج واهية، وما كان لتلك الفتاة من حب يخنقها إلا أن اعترضت وتمادت في اعتراضها فكانت الإقامة الجبرية في حجرتها الحل الذي ارتضاه الأب العنيد، ولم يكن الحل الأوحد كما ظنت بل طفق يقنع ابن أخيه الطائش (عامر) ليتزوج ابنته ويخلصه من ورطة عويصة لا يرى لها من بدّ إلا بهذا الحل، وما كانت أن تسمع بعامر إلا أن جزم عقلها بالهرب الأبدي، وها هي الآن بين يدي حبيبها وقد اعتراه المرض وأقعده عن الحراك، وجرت عليه ويلات تلو ويلات بعد أن كانت بداية الحياة رضية، فسعد مهندس معماري حاذق وكاد أن يحقق النجاحات لولا أن المرض تفاقم عليه وأعجزه عن القيام بمتطلبات عمله، وضاقت بهم الحيلة حتى التجآ إلى هذه الحجرة الحقيرة، وتطوي الأيام بعضها بعضاً والألم يعتصر سعداً وسارة تحدق إليه مبهمة لأمر لا تعرف ماذا تصنع؟!، فتكاليف العلاج لا تطيق إمكانياتها فضلاً عن الرقابة التي فرضها الأب الصارم على جميع البلدة طلباً لابنته وبحثاً عنها، ظل سعد يكابد الألم والمرض ينخر في بدنه حتى هزل هزلاً شديداً وحضرته المنية وسارة بين يديه تبكي حسرة لقلة حيلتها وعظم مصابها، أحنى سعد رأسه إليها وانسلت على خفية دمعة رقيقة انحدرت على خده وأمسك بأصابعه الواهية يدها وضغط عليها! بضعف، واغتصب ابتسامة شاحبة وقال لسارة: (سارة) يبدو أن القدر لم يسجل لنا طول البقاء ونيل حظ من السعادة!!، جررتك معي في نصب من العذاب وفظاظة العيش، لم أحبذ يوماً ذلك وقد أملت أن أخلق لك جواً يبث في ذاتك السعادة والرضا!! حبيبتي لا حرمت حبك!!، وانحنى رأسه وارتفعت عينه وسكنت حركته، تجمدت سارة في محلها وعلاها الوجوم والسكون والدموع قد تفجرت من عينيها كمطر منهمر، رسم طريقها في وجنتها المتسخة من شظف عيش مرير، وانهارت في محلها جامدة بلا حراك، وبعد أيام قلائل تصدرت الصحف عناوين (العثور على جثتي زوجين في أحد الأحياء الفقيرة)، (ابنة التاجر تفارق الحياة في أرض المقابر!!)، وانضوت أزمنة... وظل زمان البعبع!!. |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |