Friday 13th May,200511915العددالجمعة 5 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "أفاق اسلامية"

نبض المدادنبض المداد
دروس من جارنا ماجد
أحمد بن محمد الجردان

خمسة وعشرون عاماً عرفته معرفة الجار لجاره كان خلالها أبا عبدالله جارنا ماجد بن عبدالله الماجد - رحمه الله - نعم الجار عرفناه نحن سكان الحي بخطواته الواثقة والمتأنية من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت، حتى غدت تلك الخطوات في ذهابه وإيابه لا أبالغ إن قلت إنها معلم من معالم حينا وصورة تتكرر بعدد الصلوات الخمس.
لن أتحدث عن مناقبه فماجد - رحمه الله - ليس وحيد زمانه وفريد أقرانه بل هو واحد من عشرات بل مئات الآباء الذين نراهم صباح مساء في كل حي من أحيائنا لذا الحديث عنه ليس أمراً خاصاً بي لأنه جاري لكنه حديث عام للجميع، فجيل جارنا ماجد أراه بقية باقية من ذلكم الجيل المخضرم الذي واجه الحياة وكافح في خضمها متسلحاً بسلاح الصبر بكافة أنواعه وهو الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على قضاء الله.
فقد كان ماجد يصبر على طاعة الله صبر المحتسب فما يسعه في ذروة درجات حرارة الصيف وفي ذروة برد الشتاء القارس بعد سماع صوت الحق إلا أن يبادر إبان نشاطه وصحته إلى المسجد وعندما دب في جسده المرض ضغط على نفسه وأبى رغم أنه من ذوي الأعذار إلا أن يجر الخطى والشوق يدفعه ويدفع تلك الخطى المثقلة بتعاقب السنين وألم الأنين شوقا للمسجد ليأنس ويرتاح بالصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم (أرحنا بها يا بلال).
كما كان ماجد إبان صحته يمارس التجارة منذ سنين في سوق أشيقر بمدينة الرياض سجل خلالها بشهادة من تعاملوا معه صورة ناصعة البياض لما يجب أن يكون عليه التاجر المسلم، ولعلني هنا أسوق من هذا الباب موقفا يؤيد صبره - رحمه الله - على معصية الله حيث دار بيني وبينه ذات يوم حديث عن كسب المال وما يعانيه من يحرص على الرزق الحلال من تعب وعنت في سبيل تحصيل اللقمة الحلال وأن ثمة من يقول: (إن طرق كسب الحرام أيسر إلى آخر ذلك)، فسمعت منه إنكاره الشديد لشتى صور الكسب الحرام ودعوته إلى الكسب الحلال ومقولته إن تمت من الجوع خير لك من تعيش من الحرام!
وعن صبره على قضاء الله وقدره فقد أصيب - رحمه الله - بمرض الموت ولاقى من الآلام ما الله به عليم فزرته فلم أرَ منه إلا الثقة بالله والبشر والطمأنينة والأنس بزائريه وكأنه لم يصب بشيء! حتى إنني خرجت من عنده أعزي نفسي في نفسي لا لشيء إلا لأنني وأمثالي كثر قد كبلتنا الدنيا إلى درجة أنستنا - إلى حد كبير - الثقة بالله وذلك البشر والطمأنينة والأنس التي لمستها في ماجد - رحمه الله -!
عندما أتحدث هنا عن جارنا ماجد - رحمه الله - واستعرض صورا من صبره أرمي إلى أن من الأهمية إبراز جيل الآباء ذلكم الجيل المخضرم الذي عاش الخوف والجوع والمرض ومن ثم عاش ما نعيشه جميعاً من أمن وشبع وعافية لنقتفي أثر صبرهم وحسن تعلقهم بالله جل وعلا، وأن نحترم ذلكم الجيل ولا نصفه ونصمه بمقولة طالما ترددت على مسامعنا عند الحديث عن ذلك الجيل وهي مقولة: (هؤلاء العوام فيهم كذا وكذا أو نحو هذه العبارة) في وقت تنهار فيه قوانا وتهتز فيه نفسياتنا لو حصل لنا معشار ما حصل لهم!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved