إن المرء قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان، وبلدان الإسلام من المصائب، وما ينال كثيراً من الفجار والكفار والظلمة في الدنيا من الجاه والتمكين والسطوة والمال وغير ذلك فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا تستقر في الكفار على المؤمنين، فإذا قرأ قول الباري جل وعلا {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}وقوله سبحانه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}وقوله سبحانه {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وكان ممن يصدق بالقرآن، حمل هذه النصوص ومثيلاتها على أن حصوله في الدار الآخرة فقط، وأما الدنيا فيظن أنها دار بلاء وعذاب وفتنة على المؤمنين، لا يتنعمون فيها أبداً، وهذا ظنٌ سيئ مخالف لمقتضى حكمة الله تعالى ورحمته، وقد كان أحد كبار المبتدعة ممن فسدت قلوبهم وساءت بالله ظنونهم يخرج بأصحابه إلى الجذامى وأهل البلاء وأصحاب الأمراض المزمنة، ويقول لهم (انظروا إلى أرحم الراحمين يفعل مثل هذا) يريد إنكار رحمة الله تعالى كما أنكر حكمته، نعوذ بالله من فساد القلوب، والتعدي على الله جل وعلا. وهذه الظنون الفاسدة التي قد يقع فيها بعض ضعاف النفوس وضعاف الإيمان، ويتكلم بها المنافقون مبنية على أمرين: أحدهما: حسن ظن العبد بنفسه واغتراره بعمله، واعتقاده أنه قائم بأمر الله تعالى وقد يكون عاصياً لكن لا ينظر إلى عصيانه، ولا يبحث عن أسباب تخلف نصر الله له ولمن هم على شاكلته. والأخرى: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه. لهذا قد تكون هذه أسباب في ضلال كثيرٍ من الناس وفساد قلوبهم فأقعدتهم الأولى عن محاسبة النفس، والتوبة من الذنوب، وأوصلتهم إلى الغرور بأعمالهم، فتخلف عنهم نصر الله في الدنيا ويخشى عليهم من عذاب الله تعالى في الآخرة. وأقعدتهم الثانية عن نصرة إخوانهم المسلمين لاعتقادهم أن حظ المؤمنين في الدنيا العذاب والبلاء، وأوقعتهم بسوء الظن برب العالمين وكل ما مضى أصله الجهل بأمر الله ودينه، وبوعده ووعيده. لذا كان الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يثقوا بوعد الله عز وجل وانه ناصر عباده لا محالة وان هذا الدين منصور، لكن لنحرص كل الحرص أن يكون الواحد منا لبنة بناء للأمة الإسلامية بثباته على دينه واعتصامه بكتاب ربه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والعودة الصحيحة للتمسك بصراط الله المستقيم، وأن يحرص على التربية الجادة للنفس وللأبناء والبنات وكل شخص تحمل أمانته فإن في هذا فوزاً ونجاةً وفلاحاً في الدنيا والآخرة.
(*)الرياض |