* أبها - أمل القحطاني: بدأت الانطلاقة الفعلية للتنمية في المملكة العربية السعودية مع صدور خطة التنمية الأولى لعام 1390هـ - 1970م وما تبعها من خطط تنموية ناجحة ولم يكن للمرأة السعودية قبل الخطط التنموية مساهمات تذكر في سوق العمل لاقتصار فرص العمل على الرجال دون النساء، وبدأت المرأة تطرق مجالات عمل محددة مع بدء جهود التنمية ثم تطور الأمر تدريجياً حتى أصبحت تشكل عنصراً مهماً في القوى العاملة الوطنية. ولعلنا في هذا التحقيق نطرح تساؤلاً هاماً وهو: هل تستطيع المرأة أن تحقق استقلالها المادي، وأن تجد لنفسها فرصة وظيفية بما ينفعها وأسرتها، وأن تكون عنصراً فعالاً في المجتمع؟ وذلك بأن توجد لذاتها الوظيفة التي تحقق لها العائد المادي، حتى لو لم تتح الفرص على المستوى العام.. فهل تستطيع أن تعمل من داخل بيتها، وتنفع ذاتها وعائلتها ومجتمعها من خلال ما تملك من مواهب ومهارات وفق الظروف والإمكانات المتاحة؟ وسنسلط الضوء على الواقع الاجتماعي والعملي للمرأة في منطقة عسير.. التي خطت خطوات إيجابية وعملت منذ القدم في العديد من المجالات ووقفت جنباً الى جنب بجوار الرجل الذي يدعم مسيرتها، فهي كغيرها من النساء في (مملكتنا الحبيبة) شاركت الرجل في العمل وساهمت بدور فعّال وبإرادتها القوية وقوة صبرها وتحديها الكثير من الصعاب في سبيل عملها بما يوافق تعاليم الدين الحنيف أولاً.. ثم ما يتناسب ووضعها الاجتماعي، فها هي المعلمة والطبيبة والإعلامية والإدارية والفنانة التشكيلية والباحثة العلمية. (الجزيرة) استطلعت العديد من الآراء وخرجت بالحصيلة الآتية: المرأة التشكيلية في البداية التقينا الأستاذة فيحاء الشليخي مشرفة التدريب التربوي بخميس مشيط التي قالت: لقد عرفت المرأة في عسير على مر العصور بالجد والقدرة على كسب العيش وعبرت عن ذلك من خلال عملها في الزراعة والرعي، إضافة إلى حسها الفني الرائع في النقش على جدران البيوت العسيرية الذي أكد العديد من الفنانين التشكيليين انه فن متميز يؤكد على شفافية هذه المرأة وحبها للجمال ومحاولتها التعبير عنه بأشكال تذهل الرائي، فهذه النوافذ وتلك الجدران نقشتها فطرة المرأة، وهكذا وعبر العصور والأزمنة عبرت المرأة في عسير عن وجودها بأشكال مختلفة تبدأ من عنايتها بأسرتها وعمل الوجبات الشعبية الرائعة التي تفوح منها رائحة خبز التنور والقهوة ذات المذاق الخاص، إلى مساهمتها في الوقوف إلى جانب زوجها خارج المنزل، وأنها واكبت التطور وعملت في المجالات المختلفة ووقفت مرة أخرى لتساهم في بناء حضارة هذه المنطقة وتقدمها، ولا زال كثير من السيدات يعملن في صناعة النحت وفي الرعي والزراعة في العديد من القرى والمحافظات في عسير، أما المتعلمات فهن يعملن على دفع عجلة التقدم فيها ويقفن بكل حزم للوصول إلى ما وصلت إليه المرأة في الدول المختلفة. واختتمت الشليخي حديثها بقولها: أعتقد أن التطور المذهل الذي تشهده المنطقة لخير دليل على دور المرأة في عسير فهي مقدامة وشجاعة وقادرة على العمل في أي مكان طالما لا يتعارض مع دينها وعاداتها وتقاليدها. مشاعل مبارك الحيلان المديرة العامة لمكتب الإشراف الاجتماعي النسائي بمنطقة عسير أكدت ان مجال مساهمات المرأة السعودية لم يتوقف على المشاركة في قوة العمل بل شاركت في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارية والصناعية (زراعة - صناعة - مقاولات - تجارة - مشاغل وخياطة،...) وهكذا.. أما بالنسبة للمرأة في عسير فلها دور فعّال في مشاركة الرجل في العمل وكسب الرزق في الأعمال التي شاركن الأمهات والجدات الرجل فيها. وتشير إلى أنه من خلال عملنا الاجتماعي ومن خلال زيارتنا الميدانية للقرى المتناثرة في منطقة عسير نرى أن هذه المهن ما زالت تمارس حيث تقوم الزوجة بمساعدة زوجها في الزراعة وحصاد الثمار والرعي بالإضافة إلى الأعمال المنزلية وتربية أبنائها.. ولم تتخل المرأة عن ذلك، بل نستطيع أن نقول أنها لم تعد بكثرة كما في السابق نظراً لانفتاح المجتمعات ودخول الأيدي العاملة لمساعدة أرباب الأسر والتوجه إلى المدن. إن المرأة في عسير عرفت بالعطاء والتميز فهي قادرة على فعل أشياء كثيرة لتحسين الوضع المعيشي لأسرتها حتى وإن لم تواصل تعليمها، وذلك بانجازها عدة أعمال تقوم بها داخل منزلها بالإضافة إلى أعمالها المنزلية ومسؤوليتها الأسرية، ومن هذه الأعمال التي تقوم بها (صناعة الأواني الفخارية والمجسمات وزراعة بعض المزروعات وتسويقها وبيعها في الأسواق الشعبية وكذلك القيام بنقش الحناء وخياطة الملابس الشعبية المحلية حيث ان هذه الأعمال أدت إلى تحسين الوضع المعيشي لأسرتها). أين الفرص الوظيفية؟ أما الكاتبة والإعلامية نادية الفواز فأشارت إلى ان المرأة في عسير تقوم بدور رائد ومتميز، فهي منذ القدم تشارك الرجل في العمل والكسب من خلال بعض الأعمال التي تلائم الحياة قديماً مثل الرعي والزراعة ولا زالت تقف جنباً إلى جنب مع زوجها من خلال عملها في مجال التعليم أو في مجال التمريض إضافة إلى ممارسة العديد من النساء في عسير للأعمال الخزفية والمأكولات الشعبية والبيوت العسيرية. إن المرأة في عسير امرأة منتجة لا تركن إلى الكسل ولا يستهويها الخمول وهي تحاول الخروج إلى آفاق جديدة من خلال مستجدات العصر داعمة في ذلك أسرتها وزوجها. وتضيف: أعرف في عسير سيدات يعملن المجسمات التراثية ويقمن بعمل الأفران (التنور) ويدعمن أسرهن وأبناءهن، ولا زالت المرأة في بعض مناطق وأجزاء من عسير كتهامة ورجال ألمع وغيرها.. تعمل في الزراعة والرعي جنباً إلى جنب، لمساندة الرجل والوقوف معه، وإن المرأة في عسير تحتاج إلى نظرة ثاقبة وتوجه صادق نحو فتح سوق العمل أمامها من خلال استثمار جهود خريجات عسير المتكدسات في المنازل، في إيجاد مصانع خاصة بالسيدات أو توفير معلومات عن العمل المهني وتصميم الذهب وفتح مجالات جديدة. المرأة في عسير منتجة ولا تحب ان تكون مهمشة في مجتمعها، وهذا ما أراه من وجود كثير من الخريجات يعملن في كليات التربية للبنات بالمنطقة على نظام صندوق الطالبات بمبلغ 800 ريال، فأين هي المجالات التي تفتح لسيدات عسير، وحينها سيرى المجتمع العمل الجاد والمثمر بالشكل الصحيح. الأستاذة أمل مشيط سيدة أعمال بمحافظة خميس مشيط ترى ان المرأة قادرة على إيجاد فرص وظيفية لها، وأن تعمل وهي داخل منزلها حيث إنه من الممكن ان تمارس الكثير من النشاطات المختلفة، والأعمال المتنوعة كأن تقوم بتجهيز الحفلات ومناسبات الأفراح والخطوبة وذلك من خلال القيام بأعمال يدوية كتغليف الحلويات وعمل علب الأفراح وخياطة مفارش الطاولات وتزيين الأكواب والشموع بالتحف من خلال خامات بسيطة وبتكلفة غير عالية. كما أن للفتاة فرصة واسعة وكبيرة من خلال: تصميم مواقع على الإنترنت والإبداع والابتكار في هذا الجانب لأن الفتاة قادرة على التميز وتنسيق الأشكال والألوان والتصاميم الجذّابة. وأضافت أن العمل في مجال (تصميم الأزياء) يعد من أبرز وأهم الأنشطة التي تستطيع من خلالها المرأة تنمية موهبتها وتعزيز قدراتها وثقتها بنفسها، وهي بذلك تمنح نفسها القدرة على التواصل مع المشاغل والمراكز النسائية لبيع هذه التصاميم والاستفادة من عائدها، كما ان التصاميم التي تنتجها تتناسب حتماً مع عادات وتقاليد مجتمعنا الدينية والاجتماعية. وتؤكد ان هناك نماذج حقيقية في منطقة عسير لمثل هؤلاء السيدات، فهي تعرف من تقوم بعمل ما يعرف (خبز التنور) وتبيعه وتجد إقبالاً كبيراً وخاصة أيام الصيف والمواسم والمناسبات، وأخرى تقوم بعمل المعجنات والفطائر، وثالثة تعمل بعض الأكلات الشعبية. كما أشارت إلى نقطة هامة جداً، وهي ان المرأة أو الفتاة السعودية تستطيع أن تجد لنفسها فرصة وظيفية من خلال العمل كحاضنات وهن في منازلهن، فمثلا بالاتفاق مع عدد من المعلمات والسيدات الموظفات يتركن هؤلاء أطفالهن لدى جارتهن خلال ساعات الدوام، وتقوم برعاية الأطفال، مقابل مرتب شهري تستفيد منه، وتنفع بذلك نفسها وأسرتها ومجتمعها، فهؤلاء وغيرهن استطعن من خلال جهدهن الشخصي أن يتمكنّ من إيجاد فرص وظيفية لأنفسهن وتأمين احتياجاتهن بأنفسهن واستقلالهن المادي.
|