Monday 16th May,200511918العددالأثنين 8 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

الرئة الثالثةالرئة الثالثة
السفر عند البعض.. (همُّ) في الليل.. و(ذلُّ) في النهار!
عبدالرحمن بن محمد السدحان

للسفر مواسِمُ، وللكِتَابة عنه مواسمُ أيضاً! وفي مثْل هذه الأيام من كلّ عام.. تنْشُط حُمَّى (الهجْرةِ) الجماعيّة والفردية.. ضمْنَ ربُوع الوطن وخارجه ترويحاً عن النفس.. وبحثاً عن النسمة الحَلال!
وبُحلُولِ هَذا المْوسِم، تُسَنُّ الأقْلامُ، وتَتَبارى الألسُن.. حَديثاً عن السَّفر.. بمضَامينَ شَتَّى.. بين راغبٍ فيه.. وراغبٍ عَنْه، وناقدٍ له وزاهدٍ فيه!
* *
* والسّفرُ في أيّ آنٍ أوْ مكَان.. وسيلةٌ مشْروعةٌ.. وحقٌّ مُشَاع.. نفْضَاً لغبار الكلل.. وتفتيتاً لصَدأ المألوف في (منظومة) الحيَاةِ اليومية!
* لماذا؟
* لأنّ العُقُولَ إذَا كلّتْ عميتْ بصائرُها، ولأنّ الأجسَادَ.. اذا وهَنت.. بارتْ قدراتُها، ولأنّ الهِمَمَ.. إذا أُجْهدِتْ.. خَوَت نواياها!
* *
* والذين يَقْصِرُونَ (مَشْرُوعية) السَّفر على الضَّرورة الملحّة، كطلب العلمْ أو العِلاج أو التجارة، و(يسَفّهُون) ما عدا ذلك، قومٌ نحترم رُؤْيَتهم، لكنّنا لا نلتقي معهم فيما يرُون، لأنهم والحق يُنكروُن تَضَاريسَ النَّفسِ البَشَريّة المعَاصِرة، التي تُعاني من فِتْنة الكدِّ والنكد، بحثاً عن اللُّقْمة الحَلال، فينشُدُون الراحةَ بشدِّ الرحال إلى أماكن تأوي إليها عقولهم بَعيداً عن رتَابة العَنَاء، وطَمَعاً في تجْديد خَلايا الذَّات.. تأَهُّباً لمشْوار جَديد!
* *
* هُنا.. يكونُ السَّفرُ في تقديري المتواضع ضرورةً تستوي مع ضَرورة العلْم والعلاج.. مادامَ أنه لا يعرِّض صَاحبَه لمعْصِية يُنكرُها الخالقُ.. وتَستْنكرُها كرامةُ المخلوق، ومادامَ أنه يمكِّنُ صَاحبَه من الْتِقَاط أنْفاسِ الرّاحة الحَلال.. كيْ يكون مِشْوارُه التالي.. أكْثرَ حِرَاكاً.. وأثرى إنجازاً!
* *
* وللنّاسِ في ارتياد السَّفرِ مذَاهبُ..
* فمنهُمْ مَنْ (يُدمِنُه) عادةً تسيِّرها القدرةُ على الإنفاق.
* ومنهُمْ مَنْ يلتمسه (تقْليداً) للآخرين، حتى ولو شحّتْ قدرته على ذلك.
فأمَّا (المدْمِنُون) للسفر قدرةً وتَرفاً، فلا شَأْنَ لأحد بهم.. ولا حيلةَ لأحد مَعَهم.. وهُم في تقديري أحْرار يلتمسُون السَفَر متىَ شاءُوا.. إلى حيثُ شاءوا، طالما كانُوا قَادرين عليه نَفَقةً، حَذرين منه شبهةً!
* *
* أمّا الذين يَلتمسُون السَّفرَ (تقْليداً) للآخرين.. وهُم لا يملكون له (زادا) ولا سبَيلاً.. فأُولئك يَضرّونَ أنفسَهم.. وهم لا يَشْعُرون.
لأنهم يحمِّلون أفئدتهم عبْئاً لا طاقَةَ لهُم به، وهَذا لا يَعْني انَتفاءَ حقّهم في السَّفر.. طَلباً لتَرْويح (المزاج).. أسْوةً بالآخرين، لكن الاعتراضَ هُنا، أن أحَدهُم قد يُرغم نفسَه وأهلَه على الدُّخُول في نَفق الدَّيْن (بفتح الدال وتسكين الياء).. توفيراً لمؤُونة السَّفر.. ليَشْقى به بعد ذلك هو وأهله: همّاً في الليل وذلاً في النهار!
* *
وقد تسْأل أحَدهم: لِمَ كلّ هَذا العَنَاء.. من أجل السَّفر؟
فيجيبَك قَائلاً: ولِمَ لا؟! أوَتريدني وأهلي أن نصبح مُضغةً هيّنةً لألسنة النّاس، ومَتاعاً للِغْوهم؟ ماذا عسَى أبناؤنَا وبناتُنا أن يحدِّثُوا زملاءَهم عن إجازة الصيف حين ينعقدُ الشملُ بعد حين.. وتعودُ الطيُّورُ المهَاجرة إلى أغصَانِها؟! بِمَ يُجيبُون على هذا السّؤال المهيب: (أيْن أمْضيتُم الإجازة)؟!.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved