Monday 16th May,200511918العددالأثنين 8 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

مفاهيم إصلاحية للنقاشمفاهيم إصلاحية للنقاش
د.عبد الرحمن الحبيب

تعيش بلادنا مرحلة يمكن تسميتها بالمرحلة الإصلاحية.. ويتبع ذلك دخول كثير من المفاهيم والمصطلحات في حالة جدل ونقاش في الشارع السعودي، مثل: المجتمع المدني، الحوار الفكري الوطني، الانتخاب، الشفافية، المحاسبة، حقوق الإنسان وما ينضوي تحتها من حقوق المرأة والكاتب والأقليات، الحريات العامة والشخصية، الحداثة، اللبرالية، الديموقراطية، العلمانية، الإسلاموية، الصحوة، الإرهاب، التطرف، الغلو..إلخ. سأتناول هنا، دلالات مفاهيم تشكل أساس العملية الإصلاحية، وهي: النقد والحرية وحق الاختلاف والاعتراف به.
كنت في مجلس ضم مسؤولاً كبيراً، عبر فيه عن عتبه الشديد على مجموعة من الكتاب، لأنهم لا يذكرون إلا السلبيات ويتغافلون عن الإيجابيات والمنجزات لهذه المؤسسة أو تلك الوزارة أو الهيئة..إلخ، الموضوعية تقتضي أن تطرح كل منهما الإيجابي والسلبي.. قلت: اسمح لي أن أختلف معك، فطرح منجزات مؤسستك أو وزارتك هي مهمة العلاقات العامة لديكم أو مركزكم الإعلامي والإعلاني.. إضافة إلى أن المنجزات تتحدث عن نفسها بشكل مباشر أو غير مباشر. وليس من مهمة الكاتب الباحث أن يمتدح ويثني على مؤسسة إلا في حالات نادرة وخاصة، بل إنه من المتفق عليه منهجيا في العالم، أن أول خطوة لأي بحث هي تحديد المشكلة، فإذا لم تكن هناك مشكلة واضحة ينتفي أساس البحث وينعدم الهدف من الكتابة النقدية. ربما يقوم الكاتب في عرض نقده لذكر ما تم إنجازه بهدف التتبع التراكمي للمشكلة.. ربما يقوم الكاتب بالثناء على شخص بعينه لأنه مبدع مثلا في مجاله، لكن هذا لا يطول الثناء على عمل الجهات الضخمة، فلتلك مروجوها والمنافحون عنها.
في موضع مختلف أبدى مسؤول كبير آخر، أسفه، بقوله: رغم السماح للكتاب بمجال حرية أوسع ومرونة عالية في النقد، ماذا حصل؟ لقد أصبح بعض الكتاب والصحفيين ينتقدنا..!! وسمعت ذلك مرات عدة، وكان تعليقي، أن مفهوم فسح المجال لحرية أوسع وللنقد، لا يعني عدم تعرض الجهات الرسمية وغير الرسمية للنقد، بل على العكس، يعني زيادة تعرضها للنقد المستمر والمتواصل لتشخيص العلل والأخطاء وعلاجها، فهذا الهدف الأساس من النقد.. وما دام هناك عمل فهناك أخطاء ومن ثم هناك نقد ينبغي تشجيعه، لا الحد منه وتثبيطه.. ونقد أي عمل هو إحدى ركائز تطوره.. فوضع أي حدود للنقد هو بمثابة وأد لجوهر العملية الإصلاحية برمتها.وهذا مشابه لفهم البعض لمدلول الحرية المسؤولة.. فتجد داعية أو كاتباً أو ناشطاً متشدداً يطالب بعدم المساس بمواضيع كثيرة يؤمن بها وفقاً لتأويله الخاص، ويطالب بمصادرة كتاب فكري أو اجتماعي تحرري أو رواية متمردة أو مجموعة شعرية تجديدية لأنه اختلف فكرياً معها.. أو حتى يطالب بقمع سلوك مخالف لقناعاته أو صحيفة معارضة لتوجهاته.
ما المقصود بالحرية المسؤولة؟ إذا كان المقصود أن لكل فرد الحق في التعبير الكامل عن وجهة نظره والحق في حرية التصرف ما لم تتجاوز حريته حقوق الآخرين وحريتهم، فهذا أمر مسلم به، وهو ما نصت عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.. أما إذا كان المقصود بالحرية المسؤولة هو التضييق على هذه الحرية، بحيث يمنع نقد الجهة الرسمية، أو الاختلاف في وجهة النظر مع الفكر المهيمن، أو يقمع سلوك معين لمجرد اختلافها مع قناعات تيار عقائدي متشدد يفرض وصايته على الآخرين، فتلك قطعاً مرفوضة، وتلغي فكرة الحرية الفكرية والشخصية برمتها.
وهذا يقودني لطرح فكرة الاختلاف الفكري، وذعر البعض من الاعتراف بوجود تيارات فكرية مختلفة في بلادنا، والإصرار أن هناك تياراً واحداً موحداً فكرياً لا ينفصم ولا يختلف بعضه مع البعض! من المفهوم والمنطقي أن نسمع ما يشبه ذلك الكلام من مسؤول أمني أو مسؤول عام، لأنه طبيعة عمله تقتضي منه الترفع فوق الخلافات، إضافة إلى أن من مهماته السليمة التصريح الدبلوماسي والابتعاد عما قد يُظن أنه مجال للفرقة، لكن ليس من المبرر أن نسمع ذلك من مفكر محلل أو كاتب نقدي أو مثقف مهمته المباشرة تختلف تماماً عن مهمة المسؤول وإن كانت كلتا المهمتين تلتقيان لمصلحة البلد في المطاف الأخير.
فإذا كنا نردد المقولة القديمة أن في اختلاف الفقهاء رحمة، وإذا كنا نكرر أن الاختلاف لا يفسد للود قضية.. ونؤيد فكرة الحوار الوطني التي دشنها سمو ولي العهد الذي أمر بإنشاء مركز للحوار يلتقي فيه المختلفون بالتحاور الودي بين كافة الطوائف التيارات الفكرية في البلد الذين يتم اختيارهم بعناية وحرص بحيث يمثلون كافة الأطياف الفكرية بالمملكة.
وإذا كنا ندرك أن دولتنا السعودية تضم بلداً ضخماً واسعاً ومتنوعاً فكرياً واجتماعياً وبيئياً.. فكيف نستكثر بعد ذلك أن يكون هناك اختلافات فكرية وتيارات ثقافية متنوعة؟ ونحن نعلم أن بلداناً كثيرة متقدمة وصغيرة الحجم بها من التيارات والفرق تنوع هائل لم يؤثر على وحدتها ولا أمنها الاجتماعي.
إن الإصرار على عدم وجود خلافات بين تيارات فكرية، له دلالة خطيرة ثقافيا.. حيث يفرض التيار الأكثر نفوذا فكره باعتباره يمثل الجميع طالما أن ليس هناك خلافات ولا تيارات.. وهذا يقودنا إلى المربع صفر، ويفرغ مهمة الحوار الوطني من محتواه.. غاية القول أنه تدور الآن في داخل المجتمع (البيت، المدرسة، الشارع، الإعلام..) مفاهيم جديدة أو مصطلحات قديمة تدخل بمدلولات جديدة، كلها تحتاج نظرة جديدة وأدوات تحليل حديثة، بينما يرى البعض ويحلل تلك المفاهيم بنفس المنظار القديم وبذات أدوات تحليل عتيقة لم تعد مناسبة وانتهت مدة صلاحيتها.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved