عدت الإشاعة من أبرز الأسلحة التي كانت تستخدمها الأنظمة الشمولية القاسية لمواجهة خصومها الداخليين. كان سلاحاً فتاكاً يطيح بالخصوم بأقل تكاليف. أهم الضربات يوجهونها إلى منطقة السمعة الشخصية. يدمرون خصومهم عبر تحطيم سمعاتهم. لا أحتاج أن أشرح لكم خطر الإشاعة على المجتمع وعلى الفضيلة وعلى الأخلاق وعلى الحقوق إلى ما لا نهاية. كان من الصعب في الماضي ضبط الإشاعة وتحديد مصدرها. تنطلق وتضرب خبط عشواء في أي مكان دون حسيب ورقيب وخارج إطار القانون. ورغم أن الناس تعرف مدى حرمة تناقلها وتمريرها مهما كانت الأسباب إلا أن الناس لا تستطيع أن تسيطر على حمى تبادلها. فالناس فاكهة الناس كما يقول المثل. وفي وقتنا الحاضر يمكن أن تجد فرصتها للانتشار الكثيف عبر وسائل الاتصال الحديثة. وتعد الإنترنت أفضل وسيلة لخلق الإشاعات ونقلها. فالمواقع التي تسمى منديات تحولت من مكان يمكن اعتباره وسيلة إعلامية لتبادل الأفكار وطرح الآراء والتعبير الحر عن الفكر صارت الآن أفضل وسيلة لتحطيم سمعات الناس وإلغائهم. كل يوم تقريباً تقرأ خبراً مختلقاً أو مقالاً ملفقاً يتناول سمعة إحدى الشخصيات العامة. والغريب أن الناس بدأت تنظر إلى الإنترنت وكأنها فضاء خارج النظام والقانون يأتي من عالم مجهول لا تحكمه أنظمة ولا قوانين. كأنما المنتديات العامة مجهولة المصدر. بينما هي وسيلة إعلامية يفترض أن تكون مسجلة في دولة من الدول ولها أصحاب يملكونها. وبالتالي تنظمها قوانين البلد التي صدرت منه، ويمكن تطبيق نظام الوسائل الإعلامية والمطبوعات عليها. ففي كل دول العالم هناك قوانين تنظم علاقة المطبوعة بالناس في كل شيء وعلى رأسها المساس بسمعات الناس وأخلاقياتهم. ولكننا مع الأسف نقرأ في بعض المنتديات على الإنترنت اعتداءات صارخة على سمعات الناس دون أن نسمع أبداً أن هناك دعوى قضائية رفعت على هذه المنتديات بحجة أن كتابها غير معروفين ولا يملك أصحاب المنتدى أي سلطة عليهم. لمواجهة مثل هذه الاعتداءات نستخدم في بعض الأحيان قانون الحجب. أظن أن عملية الحجب لغير المواقع الإباحية لا تقل سوءًا عما نقرأه في المنتديات من اعتداءات صارخة على سمعات الناس، فالحجب هو نفسه اعتداء على حرية الناس بالسماح لقلة من الناس بالتحكم في وعي الآخرين، وهي نفس الأداة التي نسميها رقابة. ذهنيتنا الشمولية تجعلنا نلجأ إلى قانون الرقابة والمنع كأسهل وسيلة لمواجهة تحديات النشر. بينما الوسيلة الحقيقية هي خلق قوانين وأنظمة تنظم عملية النشر في المنتديات مما يجعل من حق المعتدى عليه رفع دعوى قضائية على كاتب الإشاعة وإذا كان لا اسم له يرفع الدعوى على المنتدى نفسه. من حق كل إنسان أن يكتب رأيه باسمه أو باسم مستعار ولكن من حق المجتمع أن يأخذه إلى المحكمة إلى لزم الأمر. فالقضية في نظري تكمن في التسجيل في المنتديات. يجب ألا تتم بطريقة عشوائية يجب أن يسجل الإنسان كعضو في المنتدى بالوسائل القانونية وأن يكون على أهبة الاستعداد عند استدعائه للمحكمة. هؤلاء الناس الذين تخصصوا في نشر الإشاعات عبر الإنترنت ولدوا من رحم القوانين الشمولية والأحزاب المتطرفة التي تعتمد على الإقصاء والمصادرة. وقد وجدوا في الإنترنت ضالتهم المنشودة للوصول إلى أهدافهم. كما وفرت لهم سياسات الدول التي تعتمد على قوانين المنع فرصتهم للمضي في غيهم لأن الإنترنت توفر لهم في الوقت وسيلة للتهرب من الحجب ليجدوا الدعم ممن يناصرهم ويناصر أفكارهم في إدارات الحجب والمسؤولين. من المعروف أن أهم منتدى تنشر فيه أقبح الإشاعات حجب مرة واحدة منذ ثلاث سنوات أو أقل وقام أصحابه بتبديل الرابط ولم تلاحقهم تلك الجهات التي تدير عملية الحجب في الوقت الذي ظلت تلاحق المنتديات الأخرى بشكل يومي كلما غير هؤلاء الرابط تصدت لهم هذه الجهات الحكومية وحجبت الرابط الجديد. مما يعني أن المسألة لا يمكن السيطرة عليها عبر الحجب فهؤلاء يعملون من خلال شبكة أخطبوطية تمتد من المنتديات إلى الإدارات التي تدير التعامل مع هذه المنتديات. إنه فكر الحزب الشمولي القاسي الذي يعمل على تحطيم الخصوم بكل الوسائل. أظن إذا استمر الوضع على هذه الحال سوف نواجه في المستقبل القريب أزمة أخلاق حادة، فمنتديات الإنترنت سوف تعيد صياغة فكر الخصومة وأول شيء سوف تهدده وتعمل على تدميره هو روح الفروسية التي تنتظم الخصومة بين الشرفاء. والمجتمع إذا لم يواجه الإنترنت بقوانين حضارية حديثة ونافذة سوف يدفع الثمن من أخلاقه هذه المرة. فكل سمعاتنا سوف تكون مهددة مما سوف يفقد المجتمع أهم عنصر فيه وهو عنصر القيمة.
فاكس: 4702164 |