كثيرون يصفون أنفسهم بالوسطية والاعتدال وحين تستمع إليهم تستغرب وتتساءل عن اي وسطية هم يتحدثون؟ حين تسمع صراخ متحدث وهو يلقي بصوته الغاضب حمم الكلام على سامعيه ويهدد ويتوعد ويرغي ويزبد.. ويصف من أمامه تارة بالعلمنة وتارة بالأمركة وتارة بالنفاق.. وخذ ما شئت من المفردات المفخخة التي ما زال يرددها البعض بينما هو يؤكد أنه معتدل ووسطي.. ** لقد كان لنا في رسولنا صلوات الله وسلامه عليه اسوة حسنة فقد كان سمحاً يدعو الى حسن الظن وحين يقوم من أخطأ يتخذ تعبير (ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا) مراعاة لمشاعر الناس وعدم انفراد المخطئين بالتقويم والإصلاح. ** بينما يظهر منا في قنوات فضائية من يتحدثون عن شأن خاص بنا ويرشقون الناس بهذه المفردات التي ظننا أننا تخلصنا من تبادلها بهذه الطريقة الفجة.. ** والنساء لسن بمعزل عن هذا.. فقد التقيت ذات عمل مع نساء لا ينفككن عن اتهام فلانة بالعمالة وأخرى بالعلمنة وثالثة بالأمركة. ** وتأخذ منك الدهشة كل مأخذ لأنك تعرف أن هؤلاء يتحدثون باتهامات لا مستند لها ثم إن هذه المسميات تحتمل اختلافات عدة في وجهات النظر وهي تدخل ضمن الاختلاف في الفروع وليس في الأصول وهي اتجاهات فكر قابلة للخضوع والتطويع للعمل الدنيوي في بلاد المسلمين.. ** هذا الاتجاه البعيد عن الوسطية في التعامل مع الأفكار المختلفة أنتج في المقابل فكراً هو الآخر نائيا عن الاعتدال وتقبل الاتجاهات المختلفة وحرية الآخرين في اتخاذ الشكل والسيرورة التي يعيشون عليها فأصبح هناك من يرمى بالتشدد والتزمت والتحجر وهو منها براء فقط لأنه نقيض لرؤية معينة أو اتجاه متمدد.. ** (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ((سورة البقرة 185). والوسط هو العدل.. وهو الخير. ** والوسطية في الفكر تعتمد في أهم أسسها على إحسان الظن بالفكر الآخر وعدم تقديم السيئة على الحسنة بل المبادرة الى تفهم وتقبل نقاط التلاقي ومواضع الجودة والاستفادة من اي فكر جيد مهما كان مصدره.. واتساع الصدر.. اتساع الصدر لمناقشة الأفكار وتجنب ما هو شخصي.. وعدم السعي لايقاع الضرر بالآخر المختلف.. متى ما كنا هكذا.. فنحن معتدلون وسطيون في تفكيرنا!
|