النكبة وحقائق العودة

ترتسم على الخارطة الفلسطينية منذ النكبة التي شارفت على إكمال عقدها السادس، جملة من المآسي التي تأخذ شكلاً تصاعدياً من جهة فداحتها، ولا يبدو
في الأفق ثمة ما يشير إلى أن هذا المنحى التصاعدي في طريقه إلى الهبوط، ما يعكس تفاقم الوضع السياسي في المنطقة التي تُشكِّل فيها القضية الفلسطينية موقعاً محورياً، باعتبارها تُلقي بتأثيراتها على كافة الأوضاع.
الذكرى السابعة والخمسون للنكبة تنطوي على مؤشرات رقمية مهمة، ومثلما أن المأساة، كما أشرنا، تسير في وضع تصاعدي، فإن الأرقام المرتبطة بها تأخذ نفس الشكل، فهناك ما يتصل بالسكان الذين أجبرتهم قوى البطش الصهيونية على الخروج عام 1948م، والذين قُدرت أعدادهم حينها بحوالي 750 فلسطينياً، فإن أعدادهم اليوم تقترب من الخمسة ملايين نسمة.. لهم جميعهم حق العودة، وفقاً لمقتضيات القرار الصادر من الأمم المتحدة بالرقم 194.. ومن المهم دائماً في الشأن الفلسطيني التأمين على أهمية هذه العودة، وفي المقابل فإن إسرائيل تحاول الالتفاف على القرار الدولي، وتجري اتصالات مع مختلف الدول من كندا إلى أستراليا، في محاولة منها لإيجاد وطن بديل لهؤلاء الملايين من اللاجئين الفلسطينيين، وهي تجد آذاناً صاغية من قِبل عدة دول بسبب تنفُّذ اللوبي الصهيوني، وانتشاره الدولي الذي يتيح له التغلغل في مفاصل القرار لكثير من دول العالم.
غير أن الأمر ليس رهناً بإرادة هذه الدولة، أو تلك لتمرير مخططات التوطين، بل إن القرار فلسطيني، يتعلَّق بالإرادة الفلسطينية، التي لن تستطيع كل صنوف القمع والتنكيل الإسرائيلية تغييرها.. وقد كان موضوع العودة، بسبب أهميته المحورية القصوى، من أهم فقرات التظاهرات، والتجمعات الفلسطينية في ذكرى النكبة، وهو اختبار حقيقي لكل قوى الخير وتلك القوى، التي تُظهر اهتماماً جاداً بالسلام، لكي تشير إلى حرصها من أجل تحقيقه في إطار السعي المخلص نحو السلام الشامل والعادل.. وتسقط جميع الحجج الإسرائيلية الواهية أمام حقيقة الحق في العودة، ولن تستطيع إسرائيل الاعتراض على أن الذين يفترض أن يعودوا هم ملايين.. بينما الذين أُجبروا على الخروج لم يتجاوزوا مئات الآلاف، ومن ثمَّ يتعيَّن أن تقتصر العودة على مئات الآلاف فقط، فهذه فرية مردودة، وعلى إسرائيل أن تنظر إلى نفسها، قبل أن تمد بصرها إلى الآخرين، إذ إن اليهود الذين انهمروا على أرض فلسطين، لم يتجاوزوا في بداية الأمر بضع عشرات من الآلاف، لكنهم اليوم يقتربون من الأربعة ملايين.. ويتعيَّن على إسرائيل أن تنظر بذات المنظار العلمي (الديموغرافي) للأمور، وعلى كلٍ، ففلسطين ينبغي أن تتسع لأهلها في المقام الأول، ولن يغيِّر من هذه الحقيقة أن إسرائيل هي الأقوى، والأكثر تسليحاً، فهي بكل هذه الإمكانات فشلت طوال ستة عقود في إسكات الصوت الفلسطيني.