بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قلنا من هي؟ قيل: ما كان عليه الرسول وأصحابه. ومثل ذلك أحاديث في (العزلة) عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقيناها - دون وعيٍ كامل- إبان التعلم في المدارس النظامية، عبر المقررات، وما يصاحبها من مناشط، لكن الحمد لله أننا توقفنا نحن- ومعلمنا الذي لا يعلم بتواضع - عند مصير الفرق، ولم نُعمل العقل حينها، ولم نطل التساؤل حينذاك حتى لا نظل ونصل مرحلة التفكير بالتكفير والتفجير، لأن للعقل حدودا عند الأسلاف، والمتسائل في بعض القضايا يمتعضون منه، وخصوصاً إذا كانوا لا يعلمون، ويعلمون أنهم لا يعلمون. عموماً هكذا هو شأن طالب العلم، لا بد له من الانقياد، وتمرير كثير من القضايا، أما هل هو مستوعب، وهل هو مقتنع، وهل هذه المفردات وغيرها تلائم مراحل تطور العقل عنده، ونمو الجسم، وتشكيل الغرائز. بالتأكيد ستكون الإجابة بالنفي، وإلا لماذا كان التعليم في هذه القضايا وغيرها لا يصحبه سلوك عملي. فالعزلة، والاغتراب، والتكفير، لم تبد عوارضها على أحدٍ من المزامنين لنا، ربما لم تكن بواعثها ودواعيها، وساحاتها موجودة. إذ يمتد تاريخ هذه المواقف إلى ما قبل نشوء التنظيم السياسي والعسكري للقاعدة في أفغانستان، وسقوط بغداد على يد الغرب، حيث أسهم جو الحروب في تشكيل قوى واتجاهات دينية متصارعة، بتأييد جلي من بعض القوى السياسية. أما اسرائيل على قِدم قضيتها وسخونتها فهي أبعد ما تكون عن التفكير، لأسباب متعدده. * مواقف تعليمية كثيرة، النابهون من المتعلمين- وهم قلة- يستوقفون المعلم عند بعضها، ويسألونه ما مصير الهنود؟ والباكستانيين، والايرانيين، والمصريين، والغربيين وغيرهم فيأخذ المعلم السؤال- وهولا يعلم- على أنه نكتة مراهق، وبابتسامة عريضه، وفي باب ( حسن التخلص)، اقرأ الكتاب يا( زيد )،أو كل واحد يتكلم مع زميله، ولا ترفعوا أصواتكم، والورِع منهم يدفع السائل إلى معلم العقيدة، وهو بدوره يطلب نص الحديث من معلمه، فنخرج عن الموضوع، مع قسوة الموقف على السائل، وارتياح بعض الطلاب لهذا الخروج، دفعاً للسأم والملل الذي ينتابهم في بعض الدروس، وربما كان في خروج المعلم عن صلب الموضوع حكمة اكتسبتها فيما بعد، لأن في قاعة الدرس الملتحي، والحليق، والمسبل، والمقصر، والمدخن، فئات متعددة، في سنٍ مهيأة لقبول التصنيف، وإن جمعتهم عقيدة واحدة، ولو توغل المعلم في هذه القضية لجره السؤال إلى من هم في قاعة الدرس لتقسيمهم، شعر بذلك أم لم يشعر. لكن الشيء الذي يبدو أن المعلمين في المعاهد العلمية مرجعياتهم العلمية قوية آنذاك, وتمتاز بالذكاء، والحكمة، والحنكة، والإخلاص، فهم يعّلمون الناشئة من المعلمي! متى يقدمون على الإجابة، ومتى يحجمون، وإلى أيّ مدىً ينفذون، وما الموقف عما جرى من أحداث على عصور التشريع. كان ذلك قبل عقدين من الزمن، ولا أدري هل استمروا على هذا أم لا؟ فالمتغيرات عندهم كثيرة، وأسباب الاتصال معهم مفقودة، وسيستمر ذلك ما لم تدمج مؤسسات التعليم العام تحت مظلة واحدة، لتستفيد من الخبرات، والمعارف، والمواقف المختلفه. * مواقف تعلمتها، وأنصح في الاستفادة من بعضها، فقد طبقتُ بعضها- مع اختلاف التخصص- حين تستغلق عليّ الإجابة، وتحتاج مني إلى مزيد بحث واطلاع واستقصاء. * لا أشك إطلاقاً أن بعض ما استشهدت به من أحاديث، حافظة لمن يعيها من مزالق الفتن، تعلم الإنسان كيف يتعايش مع الآخرين في السلم والحرب، في مجتمع آحادي ومتعدد الطائفيه، في حال قوة أمته وضعفها، في حال شيوع القيم وانحسارها. ولكن أين المعلم والموجه والداعية القادر على بسط القضية؟. * النشء أمانة، والمعلم دون سواه بيده مفاتيح الانطلاق أو الانغلاق، والتقدم أو التخلف. وفي هذا العصر اختلفت الوسائل، وتعددت وسائط التعليم، وكثرت مصادره، لذا فمعلم التربية الإسلامية، يحتاج إلى مزيد من التأهيل العلمي والمعرفي لمجابهة المواقف، وإتاحة الفرصة له أكثر من غيره بمواصلة الأبحاث والدراسات العليا،لأن هذا الكيان برمته، والوطن بطوله وعرضه قائم على هذه الثقافة الدينية المتجذره، وسيظل كذلك إن شاء الله، وأيّ انحراف في الفهم، والتفسير،أو خطأ في التأويل، والتحليل، والتعليل، سيجر هذه الأمة إلى مزلق خطير، قد لا ينفع معه أيّ شعار. بل من الواجب ألا يقف الماهر من المعلمين عند مفردات الكتب، أو ما تقدمه وزارته، أو جامعته من دورات تدريبية، وإنما بملازمة دروس وحلق كبار العلماء في هذه البلاد، والاستفادة من علمهم وعملهم، فهم الذين يعرفون دون غيرهم، في أي زمان ومكان توظف هذه الأحاديث ؟ وعلى من؟ وما العلائق التي ترتبط بها الشعوب وما حدودها؟ ولمن يكون الولاء والانتماء، وبماذا يكون البراء؟ الإنسان لم يوجد إلا للعبادة وعمارة هذا الكون، فأي ثقافة تكّرس هذا المفهوم لزم الأخذ بها، سواء كنا في دار حربٍ أو سلام.
|