أتى الحجاج بسفط مقفل قد أصيب في خزائن كسرى فأمر بالقفل فكُسر فإذا فيه سفط آخر مقفل فقال الحجاج: من يشتري هذا السفط بما فيه ولا أدري ماذا فيه؟ فتزايد فيه أصحابه حتى بلغ خمسة آلاف دينار فأخذه الحجاج ونظر فيه وقال ما عسى أن يكون فيه إلا حماقة من حماقات العجم ثم انفذ البيع وعزم على المشتري أن يفتحه ويريه ما فيه ففتحه بين يديه فإذا رقعة مكتوب فيها (من أراد أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل). هذا هو حب الاستطلاع بعينه وان كان حب الاستطلاع غريزة في الإنسان ينمو معه ويسايره ويرافقه في تطوراته وينشأ معه في حياته.. إلا أنه في بعض المواقف التي يقفها الإنسان مستغلاً هذا الاستطلاع يتحول عادة إلى فضول ثم ينعكس الوضع وتحدد النظرة وتقاس بمقياس آخر وينظر لها من زاوية أخرى غير التي كانت تلك.. والقصة التي ذكرت آنفاً تبين لنا بوضوح كيف أن حب الاستطلاع أودى بالمزايدين إلى ما وقعوا فيه وما نتج عنه وكانت النتيجة أن وقع أحدهم في الفخ لأنه تصورت له أشياء لم يحكمها العقل والمنطق حتى خيلت له وزينت له أن في الأمر شيئاً فوق ما يتصوره العقل والمنطق معاً وأن عليه أن يستغل ذلك دون تراجع أو استشارة حتى وقع في هذا المأزق. ثم كيف يأتي هذا التزايد ويتطور في الشراء على جهل بالباطن متخذا ظواهر الأمور حقيقة وواقعاً ملموساً ومحسوساً قبل أن يتعرف على الداخل ثم كيف يجرؤ الإنسان على المزايدة وبأصرار على شيء لا يعرفه ولا يدرك غايته ولا كنهه إذاً فإن المصدر لذلك حب الاستطلاع وحده. ولا شك أن حب الاستطلاع يتفاوت ويختلف عند الناس حسب تفاوتهم في النضوج ثم بادراك الشخص ووزنه للأمور وتحكيمه للعقل المدبر والتفكير بمنطق في عدم التسليم بالأمور قبل مرورها بالعقل المفكر وأن يكون هو المنطلق لكل التصرفات الحياتية.. والله الموفق.
|