تتخذ العديد من الحكومات، المتقدِّمة والنامية على حد سواء، قرارات اقتصادية تهدف في مجملها إلى رفع، أو على الأقل، المحافظة على مستوى الرفاهية التي يتمتع بها المواطنون.. مِن أهم تلك الحقوق وعلى سبيل المثال، هو توافر الفرص الوظيفية، والتي تضمن للمواطن دخلاً كافياً يفي بمتطلبات الحياة الكريمة، ويتناسب مع مستويات الأسعار السائدة، وذلك بالتأكد ليس فقط من القيمة النقدية، ولكن كذلك من القوة الشرائية لدخل الفرد، لذا ذهبت الدول المتقدِّمة إلى اتخاذ خطوات احتياطية تكفل دخلاً للمواطنين في حال الفقدان التام أو المؤقت لمصدر الرزق، ومن أمثلة ذلك تعويضات البطالة التي تدفعها الولايات المتحدة الأمريكية للعاطلين عن العمل، بل إن أهم التدابير التي اتخذتها الحكومة الأمريكية، هي منع التمييز العنصري ضد طالبي العمل من خلال ضمان نسب معينة من الفرص الوظيفية للأقليات من المواطنين الأمريكيين، حيث يتمثَّّل ذلك في القوانين الأمريكية التي تضمن تساوي الحقوق Equal Rights ، وسياسة التفعيل Affirmative Action إن الوضع يبدو أكثر وضوحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار مقدار الإنفاق على البرامج الاجتماعية في دول الاتحاد الأوروبي، والذي يُعتبر كبيراً مقارنة بما عليه الحال في السوق الأمريكي، وبالتالي فإن ضخامة الإنفاق تلك تكون دافعاً للمزيد من الهجرة غير الشرعية لأن تواجد العامل الأجنبي داخل حدود تلك الدول يؤهله للحصول على العديد من المميزات التي تفوق ما كان يحصل عليه في موطنه الأصلي بعشرات، إن لم يكن مئات الأضعاف، لذا نجد أن هناك ثمناً يستحق المغامرة وتكبد المخاطر في سبيل الوصول والاستقرار في تلك البلدان، لقد اتخذت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إجراءات صارمة تجاه هجرة الأيدي العاملة الأجنبية نظراً للآثار السلبية على دخول المواطنين بسبب تضاؤل فرص العمل المتاحة خصوصاً في الصناعات ذات المهارات المتدنية، كما أنه يقود إلى المزيد من الإنفاق الحكومي على البرامج التعليمية، والخدمات الصحية، والرعاية الاجتماعية. منذ أوساط السبعينيات الميلادية أصبحت الدول النامية النفطية وجهة مفضلة للعمالة الأجنبية وذلك للسببين التاليين: أولاً، سهولة إجراءات الهجرة وفي أحيان كثيرة غياب التشريعات التي تحكم نزوح الأيدي العاملة وانخراطها في سوق العمل، كذلك سهولة الالتفاف حول تلك القوانين بسبب الخلل الهيكلي في الأجهزة المنظِّمة للهجرة، بحيث يكون هناك مجال للمتاجرة بتأشيرات الهجرة وتصاريح العمل. ثانياً: وجود دخل مرتفع يضاهي الفرص المتوافرة في الدول الغربية الغنية مع غياب الرقابة على جودة العمالة المستقدمة، وبالتالي نجد بأن نوعية العمالة المهاجرة المتوافرة في أسواق الدول النامية النفطية هي عمالة غير ماهرة، عاطلة في بلدانها الأصلية، وغير قابلة للتوظيف أصلاً نظراً لانعدام المهارات الأساسية وتدني الإنتاجية.. ويبدو ذلك جلياً بإمعان النظر في سوق العمل السعودي، والذي تحوَّل فيه المواطنون إلى أقلية مبعدة من سوق العمل في وجه زحف العمالة الأجنبية الرديئة التي أطبقت إحكامها على وظائف قطاع الأعمال، أتى مشروع السعودة، من الناحية النظرية على الأقل، كحل للتخلص من تلك العمالة التي اتضح بأنها عبء ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل إذا أخذنا بالاعتبار النواحي الاجتماعية والأخلاقية، ناهيك عن ممارساتهم السافرة في الغش التجاري في ظل غياب دور الأجهزة الرقابية. على الرغم من الانتقادات الموجهة لمشروع السعودة من حيث فعالياته في تقليص تعداد العمال الأجانب، وإحلال المواطنين مكانهم في سوق العمل، إلا أن الإبقاء عليه، ومحاولة إصلاحه ورفع كفاءته يبدو الخيار الأمثل لأنه على الأقل يبقى بصيص الأمل للباحثين عن عمل من المواطنين السعوديين، هنا يأتي السؤال: هل منْح الجنسية السعودية للمقيمين الأجانب سياسة مثلى؟ بل إن التساؤل الأجدر بالإجابة، هل منح الجنسية للمقيمين يُعتبر حلاً بديلاً لفشل السعودة؟ أعترف بأن ذلك الموضوع له العديد من الجوانب والانعكاسات المترتبة على التغيير الدائم للتركيبة الديموغرافية للمجتمع السعودي، إلا أن التركيز سوف ينحصر على الجوانب الاقتصادية. إن من أهم العوامل المباشرة التي أفضت إلى إقصاء المواطنين السعوديين من سوق العمل، هو التمييز ضدهم والانحياز الكامل لصالح المقيمين الأجانب، وذلك مردّه إلى كون المالك الفعلي للنشاط التجاري طرفاً أجنبياً كنتيجة طبيعية لتفشي ظاهرة التستر التجاري، والتي يعترف بوجودها المسؤولون السعوديون، كما أنه في أحيان كثيرة يكون مدير النشاط، أو المدير الموكل بالتوظيف شخصاً أجنبياً، يحبِّذ أبناء جلدته للعمل لديه على حساب حظوظ أبناء وبنات البلد في التوظيف.. إلا أن الظاهرة الواضحة والجديرة بالملاحظة أن الجنسية الأصلية لمالك النشاط، أي قبل حصوله على الجنسية السعودية، تُعتبر عاملاً حاسماً في تحديد نسق التوظيف في الأعمال التي يملكها أشخاص حاصلون على الجنسية السعودية مؤخراً، الأدلة في ذلك الشأن واضحة بمتابعة الأعمال التجارية التي يملكها مجنّسون سعوديون، حيث يتضح من الملاحظة البسيطة أن الغالبية الساحقة من - إن لم يكن جميع الموظفين - ينتمون للجنسية الأصلية لمالك النشاط مما يعكس نموذجاً صارخاً في أبشع صور التمييز ضد المواطنين السعوديين، وبالتالي فإن التوسع في منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب سيقابله زيادة في التمييز في التوظيف ضد المواطنين، حيث إن المجنَّسين سيتعمَّدون تفضيل أبناء جلدتهم، المنحدرين من جنسياتهم الأصلية، في أعمال القطاع الخاص التي يمتلكونها فعلياً اليوم وقانوناً غداً. إن منح المقيمين الأجانب الجنسية السعودية لن يحل مشكلة التحويلات النقدية، بل على النقيض سوف تزداد وتستمر مما يترتب عليه تسرب الرساميل المتمثِّلة في حوالات العمال الأجانب، إن فشل التجنيس في تقليص تلك التسربات المالية مردّه إلى نظرة الأجنبي المُجنَّس إلى البلد كمكان للعمل والحصول على الدخل فقط، في حين أن استثماراته وإنفاقه يتم في موطنه الأصلي. لقد حدَّثني بعض الإخوة عن رجال أعمال مُجنَّسين يعيشون بصفة دائمة في مواطنهم الأصلية، في حين يوكلون إدارة أعمالهم لمقيمين من أبناء جلدتهم، مما يثير التساؤل عن جدوى منحهم الجنسية السعودية في المقام الأول. بالنظر إلى نوعية العمالة الأجنبية المتواجدة على الأراضي السعودية، يتضح بأنها عمالة غير مؤهلة مقارنة بنوعية الأجانب المتواجدين لدى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نجحت الأخيرة في استقطاب العلماء والباحثين المتميزين الذين هم المحرك الرئيس للبحث العلمي في الاقتصاد الأمريكي.. في الحين نفسه نجد أن نظام الاستقدام السعودي قد فشل في تمحيص نوعية العمالة، لذا ليس هناك أي تمييز بين الشخص المؤهل وغيره، وبالتالي فإن نوعية الأيدي العاملة الأجنبية في الاقتصاد السعودي هي عمالة رديئة متواضعة الإنتاجية، الخطورة تكمن في أن أغلب هؤلاء الذين سيكونون قابلين للحصول على الجنسية السعودية، هم أولئك الأفراد ذوو المهارات والخبرات المتدنية، وبالتالي فإن مساهمتهم في التنمية الاقتصادية ستكون ضئيلة أو معدومة، بل وفي أحيان كثيرة سيشكِّلون عبئاً على الاقتصاد السعودي، نظراً لقربهم من السن القانونية للتقاعد، مما يتطلب إنفاقاً كبيراً على الخدمات الصحية والاجتماعية. تشير العديد من الدراسات والتقارير الدولية إلى أن معدلات النمو السكاني السعودي مرتفعة بشكل كبير، مما يُنذر ببوادر انفجار سكاني في المستقبل، نظراً لعدم وجود توافق بين الزيادة في عدد السكان والموارد الاقتصادية المتوافرة، خصوصاً الضرورية منها كالمياه، إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الزيادة الكبيرة في تعداد السكان السعودي، فإن منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب سيؤدي إلى تفاقم المشكلة في المستقبل القريب بدلاً من تأجيلها بعض الوقت.. كما أنه يترتب على زيادة عدد السكان عواقب وخيمة من خلال تكبُّد الميزانية العامة أعباء إضافية، تتمثَّل في المزيد من الإنفاق على مشاريع البنية التحتية، وبرامج الصحة والتعليم والنشاطات الاجتماعية الأخرى لأجل خدمة المواطنين الجدد. يؤثر منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب على رفاهية المواطن السعودي بشكل سلبي ومباشر من خلال زيادة الطلب على السلع المعمِّرة كالمنازل، حيث قُدرت التقارير الأولية على أنه سيكون هناك ارتفاع في الطلب على العقارات السعودية بنسبة 20% تبعاً لقرار التجنيس الصادر مؤخراً.. تلك الزيادة في الطلب تدفع بأسعار المنازل إلى الارتفاع مما يبدد أحلام المواطن السعودي، ليس فقط محدود الدخل، بل ومتوسط الدخل كذلك، في امتلاك منزل يؤويه وعائلته.
*أستاذ الاقتصاد المساعد، معهد الدراسات الدبلوماسية mqahtani@ids.gov.sa |