التعذيب من أفغانستان إلى العراق

وقائع التعذيب والانتهاكات الخطيرة في السجون التي تشرف عليها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، تفيد باتجاه متصاعد لهذه الفظائع التي تكشف عنها الصحافة الأمريكية، غير أنه لا يعرف على وجه التحديد المدى الذي وصلت إليه هذه الانتهاكات، بالأرقام الدقيقة، لكن من الواضح أنها مستمرة ولا تتوقف الأمر الذي يعكس تقاعساً واضحاً من قبل السلطات الأمريكية لوضع حد لها، إذ إنه حتى المحاكمات التي أجريت للذين ثبتت إدانتهم في جرائم سجن أبو غريب لم تسفر عن عقوبات رادعة من شأنها حمل الآخرين على الكف عن هكذا جرائم.
ولا يمكن فصل هذه الجرائم عن التوجه العام للسياسة الأمريكية في المنطقة التي لا تأبه بمشاعر ومواقف الآخرين، بما في ذلك التأييد الواضح وغير الخفي لسياسيات القمع الإسرائيلية، حيث تتصرف الولايات المتحدة من موقف استعلاء، في وقت تحاول فيه الترويج لفضائل العدل والديموقراطية الأمر الذي يوقعها في تناقض واضح ويحد كثيراً من أي قدر من الصدقية قد تحققه.
ففي أفغانستان فقد تم الكشف عن وقوع حادثي قتل تحت التعذيب بأيدي الجنود الأمريكيين، ويأتي الحادث في سياق متصل لعمليات مستمرة يصل ضحاياها إلى العشرة وفقاً لما تقوله منظمة العفو الدولية التي أدانت هذه الممارسات البشعة، وقبل ذلك كانت منظمة العفو الدولية أشارت إلى أن هذه الممارسات في السجون الأمريكية أصبحت من الأمور المعتادة.
وسيكون من الصعب على الولايات المتحدة أن تتحدث عن المبادئ الإنسانية العليا أو الترويج لها وجنودها يمارسون، دون رادع، أحط ما يمكن أن يفكر فيه الإنسان، ومن ثم فإن الأهداف الأمريكية التي يتم الترويج لها سوف تختلط بهذه الممارسات المنحطة، ما يخلق تناقضاً بيناً بين توجهات القوة العظمى وما تفعله حقيقة على أرض الواقع.
ومن المؤكد أن هذا العالم المضطرب يحتاج الحادبون فيه على الاستقرار والسلام إلى نماذج طيبة خصوصاً من الدول العظمى، لكن الأمر يحتاج إلى قدر من الثقة في قوة كبرى لا تشوب صورتها مثل هذه السقطات الإنسانية الفادحة من أجل الوثوق في قدرتها وفي نواياها على أنها قادرة على فعل الخير، وإلا فإن ما يجري حتى الآن من أفغانستان إلى إسرائيل مروراً بالعراق لا يحمل أياً كان على الاطمئنان إلى أن هناك خيراً يرجى في مثل هذه القوى الكبرى.
إن مرور كل هذه الجرائم دون عقاب رادع ودون إدانة واسعة النطاق سيشكل في حد ذاته أزمة إنسانية يصعب الخلاص من تداعياتها على الوضع الدولي بشكل عام، وسيكون مفيداً على وجه الخصوص الوقوف عند هذه الجرائم وإيلائها ما تستحقه من اهتمام من جهة رفضها وعدم السماح بتكرارها، ومن المهم جداً وقفة دولية متضامنة ومتعاضدة تكفي لإقناع المستهترين بأن الأغلبية ستواجه مثل هذه الانتهاكات.