Sunday 22nd May,200511924العددالأحد 14 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "وَرّاق الجزيرة"

المعلقات السبعالمعلقات السبع
تأليف الدكتور/ بكري شيخ أمين
قراءة: حنان بنت عبدالعزيز آل سيف

يحظى كتاب الدكتور بكري شيخ أمين (المعلقات السبع) بنوعين من الوقفات المهمة:
الأولى وقفات نفسية تشريحية وجدانية لتفسير سلوك بعض أعلام الشعر، كما فعل في دراسته لمجون امرئ القيس وكثرة ذكره النساء، وذلك لأنه رجل مُفْرَك تكرهه النساء وله كلمات حرية بالحفظ منها قوله: (إن الإنسان إذا كان يشعر بنقص ما، فإنه يحاول أن يعوض هذا النقص بأمر من الأمور، فالحطيئة كان رجلاً في غاية القصر والقماءة، فعوض عن ذلك بسلاطة لسانه وحدّة هجائه، وبشار بن برد كان قبيح العمى، فعوّض عن عماه بهجائه وسوء سلوكه وزندقته، وافتراسه أعراض النساء والرجال، وعمى المعري وطه حسين دفعهما إلى مجاوزة المبصرين في العلم والمعرفة وتأليف المؤلفات، وكذلك الجاحظ، وابن الرومي، والأمثلة لا تحصى على هذا التعويض).
وإن كنت أوافق شيخي وأستاذي ومعلمي الأول والأكبر الدكتور الفاضل: بكري شيخ أمين - سلمه الله ورعاه - إلا أن جانباً آخر بودي أن أتطرق إليه - إن سمح لي وأعطاني الضوء الأخضر، وهو أن العاهة إن وافقت ذكاءً وفطنة ونباهة ونجابة فهي تفتق الإبداع والابتكار والتفوق ومجاوزة الأقران، بل مقارعة الخصوم ومبارزتهم والتفوق عليهم، وكما قيل في المثل العربي: الحاجة تفتق الحيلة، فكذلك العاهة تفتق الاختراع، فنبي الله موسى عليه السلام كان من ذوي العاهات اللسانية، بمعنى أنه لا يفصح في حديثه، ولا يبين في مخارج حروفه، ومع ذلك استطاع أن يغلب طاغية الأرض آنذاك - فرعون - بمنطقة وحجته وبيانه حينما ناظره كلامياً ومقالياً، وحينما أعجزه حسياً، بمعجزاته السماوية فتحول السحرة من قوة سحرية مهلكة، إلى قوة إيمانية جبارة فياضة ثرة متدفقة، والقرآن خير شاهد، وأصدق شهيد على تلك العاهة اللسانية التي كان يعاني منها موسى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وذلك في دعوته لربه قائلاً: { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي(27) يَفْقَهُوا قَوْلِي}
الثانية: وقفات تربوية توجيهية جاءت بتدخل ذكي وفطنة متوقدة أثناء الحديث عن صدق عاطفة أمرئ القيس، وهو أنه رجل لا يعرف معنى الحب الحقيقي، فقال: (إن الشاعر لم يعرف صدق العاطفة، ولا شريف السلوك، ولا إخلاص الوداد، فالحب الصادق هو الحب الموحّد، الثابت على طول المدى، أما انتقال الإنسان من هوى إلى آخر، ومن حب إلى حب، ومن مجون إلى مجون، ومن واحدة إلى أخرى، أو من واحد إلى آخر.. فذاك هو الطيش واللهو والسلوك السيئ، وليس لصاحبه أن يدّعي هوى أو صبابة أو صدقاً.
والدليل الآخر على كذب العاطفة عند الشاعر، أن المحب الصادق لا يقف أمام من يحب، وهو يسرد على مسامعه مغامرة بعد مغامرة، ولا يُدلّ عليه بقدرته على اصطياد غيره، ولا يهدده بجفاء، ولا يطلب منه أن ساءته إحدى خلائقه أن يسل ثيابه عن ثيابه، ويفصل قلبه عن قلبه، فذلك ليس شأن العاشقين الصادقين وإنما هو شأن المغامرين والكاذبين).
والمؤلف - حفظه الله تعالى - في أسلوبه براعة ما بعدها براعة في امتلاك ناصية البيان، والتعبير الفني الموفق، وهنا سأصف أسلوبه بما وصف به اختيار امرئ القيس الشاعر لألفاظ عدها البلاغيون القدماء خارجة من حيز الفصاحة لما فيها من الحوشية وتنافر مخارج الحروف.. أما د. بكري الشيخ أمين فيرى فيها الفصاحة كل الفصاحة، وذلك حين يقول واصفاً بلاغة الشاعر في اختياره لألفاظ بيته التالي:


فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى
بنا بطن خَبْتٍ ذي قِفَافٍ عقَنْقَل

(... ومعنى البيت: فلما تجاوزنا ساحة الحي وصلنا إلى أرض مستوية تحيط بها تلال صخرية عالية، ومجموعات من الرمال متعرجة متداخلة بعضها وراء بعض.
ونريد أن نقول: إن الفصاحة ذاتها كانت في أرفع مستوياتها في هذا الشطر، وفي هذه المفردات، وما كانت إلا لهذه الحوشية ولهذا التنافر في مخارج حروف الكلمات، ذلك لأن الشاعر أراد أن يعبّر عن مكان فيه صخور ورمال، ومرتفعات ومنخفضات وفيه تداخل والتواء، وفيه قطعة من أرض سوية مطمئنة، ومثل هذا الموطن يصلح للاختباء ولا سيما في الليالي الدكناء، وقرب موطن الأعداء، وهل أصلح للتعبير عن هذا التلوي في التضاريس، من حروف متنافرة المخارج، حرف يوحي بالقلقلة كالقاف، وحرف يوحي بالتفشي كالتاء أو الفاء؟ أو لم تعبر هذه الكلمات بأصواتها عن معانيها، أو تشف عنها، أوليس في هذا الاختيار براعة ما بعدها براعة).
كذلك للمؤلف كلام جميل جداً في التعقيب على بيت الأعشى - صنّاجة العرب - والذي يعزف به على قيثارة الشعر العربي هازجاً ومترنماً ومنشداً:
وقد غدوتُ إلى الحانوتِ يتبعني
شاوٍ.. مشلٌ.. شلُولٌ.. شُلْشُلٌ.. شولُ
( هذا البيت لم يعجب البلاغيين لتوالي شيناته وكثرتها، وعدوه من الألفاظ البعيدة عن الفصاحة، ونفوا عن الشطر كله سمة البلاغة، ولو أنصفوا لجعلوه مثال الشطر البليغ، والأسلوب الناجح الرفيع.
إن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال - يقول البلاغيون - ومقتضى الحال هنا تصوير سكران يتلعثم في قوله، وهل أقرب إلى التعبير عن التلعثم في تكرار حروف معينة تكراراً كبيراً، وهو مقتضى الحال، وملاءمة هذا المقتضى هي البلاغة ذاتها، ولقد كان الأعشى في قمة الإبداع الفني حين ردد هذه الشينات، وحين أورد هذه الألفاظ).
ثم المؤلف - حفظه الله تعالى - بارع في إقناع طلابه بصحة آرائه وما يقرره من حقائق أدبية وبلاغية وأسلوبية ونفسية بليغة سديدة موفقة، بل هي عروضي من الدرجة الأولى، وله إذن موسيقية دقيقة ورهيفة السمع، وهي أذن طربة، تجيد العزف على آلات الشعر، والدق على آلة الصنج، فكأني أمام أذن امرئ القيس البكرية الأمينية وذلك حينما يحلل مقاطع أبياته الشعرية الطويلة المفتوحة والتي تنضح بالألم والهم والحسرة والدموع والبكاء والذكريات، وذلك في قوله عن أبيات امرئ القيس التالية:


قِفا نَبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقط اللّوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراةِ لم يعفُ رسمُها
لما نسجتها من جنوبٍ وشمال
ترى بعر الآرامِ في عرصاتها
وقيعانها كأنه حبّ فلفل
كأني غداة البين يوم تحملوا
لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم
يقولون: لا تهلك اسى وتجمل
وإن شفائي عبرة مهراقة
فهل عند رسم دارسٍ من معولِ؟

(إنها لتكاد تغص بهذه المقاطع المفتوحة الطويلة، وكأنها تعبر بصوتها وصداها في الأسماع عن معاني الألم العميق، والذكريات التي طوتها الليالي.
وقد لا نكون مبالغين إذا زعمنا أنه لو سمع هذه الأبيات أعجمي لا يفقه من العربية شيئاً، وكانت له الأذن الموسيقية المرهفة، إذن لقال إن هذه الأصوات التي اسمعها تعبر عن شيء يشبه الأنين والزفرات.
ودليلنا على هذا الزعم البيت الأول، ففيه سبعة مقاطع طويلة مفتوحة، وكذلك نجد سبعة مقاطع من النوع ذاته في البيت الرابع وثمانية في الخامس وخمسة في السادس، وكأننا بالشاعر امتد بخياله إلى بعيد الأيام وقديم العهود، فراح يصعّد الزفرات، ويطلق الآهات، وقد كانت الممدود أكبر عون له على هذا التصعيد، كما كان له من براعته التعبيرية القدر الكبير الذي يدفعه إلى اختيار الكلمات المساعدة على هذا الموقف الأليم).
هذا وقد تطرق الكتاب إلى صورة الفرس في معلقة أمرئ القيس وكذلك صورة المرأة العربية المتغزل بها، ثم مقارنة جميلة جداً، تعبر عن الازدواجية في نفسية الشاعر في عاطفته نحو فرسه وعاطفته نحو المرأة أيهما نجح فيها وأيهما أخفق فيها؟.
وتطرق الكتاب في خطته الأدبية البلاغية الدراسية إلى معلقة طرفة بن العبد وهي أطول المعلقات الجاهلية حيث بلغت أبياتها أكثر من مائة بيت، وقد اكتفى المؤلف بدراسة بضعٍ من أبياتها، وذلك عائد إلى قصر السنة الدراسية التي لا تتجاوز شهوراً عدة، إضافة إلى أن ساعات مقر مادة (الأدب الجاهلي) في جامعة حلب والجامعة اللبنانية لا تزيد أسبوعياً عن أربع ساعات، وكان الحذف الهادف هو أفضل ما قام به الدكتور القدير بكري شيخ أمين - حفظه الله تعالى - ليتمكن من استيعاب المنهاج الجامعي وملاءمته للوقت المسموح به، كذلك تجاوز ما لا يقدم أو يؤخر من معلومات وحقائق أدبية وبلاغية ولغوية وفنية ثم التركيز على أكابر الشعراء من أصحاب المعلقات وتحليل أشعارهم على أوسع وأشمل وأفسح نطاق.. يقول المؤلف في سبب اقتصاره على دراسة عدة أبيات من معلقة طرفة بن العبد ما يلي: (إن دراسة المعلقة دراسة كاملة ذات فائدة كبيرة، تؤدي بنا إلى الاطلاع بعمق على الشعر الجاهلي، وأصوله الفنية، وتفتح أمامنا هذا العصر بآفاقه ومراميه، وجميع عناصره التي يحتويها.
ومع هذا، وبالرغم من كل فائدة، فإنا سنكتفي بدراسة عدد قليل من أبياتها، تتصل بآرائه في الحياة، لعلها توقفنا على الجانب الفكري والنفسي والفني عند الشاعر، وتطلعنا على جزء كبير من حياة الناس في الجزيرة العربية ولا سيما في تلك المنطقة الشرقية النائية).
ومن جميل قول طرفة في معلقته ما ترنم به لسانه قائلاً:


أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقلية مالِ الفاحشِ المتشدد
أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة
وما تنقص الأيامُ والدهر ينفد
لعمرك إن الموت ما اخطأ الفتى
لكا لطول المرخى وثنياه باليد
وظلُم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
ستُبدى لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من تُزوّدِ
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له
بتاتاً، ولم تضرب له وقت موعد

ويتساءل المؤلف بعد هذه الأبيات قائلاً: (هل يمكن أن نعدّ طرفة من خلال هذه الأبيات فيلسوفاً، ونقرنه بأفلاطون، وأرسطو، وسقراط، والكندي، والفارابي، وأوغست كونت وغيرهم؟.
وفي الجواب عن هذا التساؤل نقول: الفلسفة كالعقيدة، تقوم على أسس وتسير على منهج، وتنظر إلى عناصر الحياة كلها من منظارها، وتقيس الأمور بمقياس واحد، فالخير خير لأنه وافق مفهوم الفيلسوف عن الخير، والشر شر لأنه وافق مفهومه عن الشر وهكذا.
والفلسفة في الغالب، تعتمد على أصول عقلية، ودعائم علمية، وتبقى ثابتة أمداً طويلاً إلى أن يأتي عقل آخر يرى رأياً مخالفاً، فينفض نظرياتها، ويقيم مكانها نظريات أخرى.
ومن الغبن وتطفيف الموازين أن نعد أبيات طرفة فلسفة فهي من الطراوة والليونة بقدر لا يمكننا معه أن نصفها بهذه الصفة، ولكنا نقول مطمئنين: إن أبياته نظرات ثاقبة في الحياة، وتأملات صائبة في الأيام إلى حد ما، ومن وجهة نظره الجاهلي الساذج البسيط، وهي لا تقوم على أساس ثابت، ومفهوم معين، ونظرة واحدة إلى الإنسان والحياة، وكل ما وصل إليه طرفة هو أن الحياة زائلة، والموت محتم، وعلى الإنسان ألا يبخل أو يجبن أو يقصر في لذة أو حرب ومثل هذه الآراء أقرب إلى التأمل منها إلى الفلسفة.
وإذا صح كلام المؤرخين أن طرفة مات أو قتل وهو شاب في مقتبل العمر، فإنا لنرفعه مكاناً علياً، بين الشعراء لأن عقله كان يعمل، ولسانه كان يعبر عما يفكر، في حين لم نجد سواه من الذين تقدمت بهم السن يفكر كما فكر، أو على الأقل لم يستطع أن يصل إلى مرحلة التأمل والتفكر في الحياة والموت، والإنسان والكائنات إلا في مرحلة الشيخوخة والهرم).
وأخيراً فدّرر الكتاب وجواهره أكثر من أن تُحصى، وهو بحق كتاب عظيم، فيه خيرات أدبية كثيرة، ووقفات أدبية سديدة، ومحطات أدبية جميلة، وهناك نظرات نقدية ومباحث فنية، استهوتني وأخذت بتلابيب عقلي ووجداني ومنها:
- غزل الشعراء بالقيان كما في معلقة صناجة العرب الأعشى، ثم ينبثق من هذا المنحى سؤال مهم وهو ما الفرق بين غزل الشعراء بالحرائر وغزلهم بالقيان؟
- ثم كلام أدبي جميل رائق شائق ماتع في الفرق بين وصف طرفة للناقة ووصف لبيد لها أيضاً.
- وختاماً ذكاء زهير بن أبي سلمى في بناء معلقته ودهائه في الوصول إلى الغرض الأساسي وهو مديح الرجلين الكريمين والفذين الحازمين حرم بن سنان والحارث بن عوف.
حفظ الله علم الأدب الرائد الأستاذ الدكتور بكري شيخ أمين، وأمدّ الله دولة الأدب وعزها وشرفها بطول عمره وسديد أدبه وتأدبه - آمين -.
عنوان المراسلة:
ص.ب 54753
الرياض: 11524

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved