أسرة ابن معيقل من الأسر العريقة في منطقة ينبع، يرجع نسبها إلى قبيلة بلي القضاعية المشهورة في الجاهلية والإسلام، ويعود تاريخ أسرة ابن معيقل الموثق في منطقة ينبع النخل إلى أكثر من ثلاثة قرون، حيث بدأت شهرة هذه الأسرة تأخذ مكانها في تلك المنطقة منذ القرن الثاني عشر الهجري، من خلال بروز عدد من أعلامها ورجالها، حتى تسنمت الأسرة مكانة مرموقة كبيت من بيوت العلم والقضاء الشرعي والعرفي، كما احتلت مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة من خلال أملاكها الواسعة سواء في حصص الماء أو في الأراضي المشهورة بزراعة النخيل في خيوف ينبع النخل الشهيرة التي كانت تسقيها عيون ينبع التاريخية قبل أن تتوقف وينزح أهلها إلى حواضر الحجاز الرئيسة خلال العقود الأخيرة. ولإعطاء فكرة سريعة عن قِدم هذه الأسرة وعراقتها، فإنه يمكن استعراض أمثلة من أقدم الإشارات الوثائقية لبعض أعلام هذه الأسرة، من خلال ما اطلعنا عليه من الوثائق، ومن ذلك ما يأتي: 1- مبارك بن محمد بن معيقل: ورد اسمه في وثيقة مؤرخة في (20-9-1159هـ). 2- عبدالكريم بن جابر بن معيقل: ورد اسمه في وثيقة مؤرخة في (20-4-1231هـ). 3- محمود بن عبدالكريم بن معيقل: ورد اسمه في وثيقة مؤرخة في (10-11-1253هـ) وقد ورد الإشارة إلى وفاته في وثيقة مؤرخة في سنة 1254هـ. 4- حمود بن محمد بن محمود: ورد ذكره في عدد كبير من وثائق ينبع النخل، وتوفي سنة 1361هـ. 5- محمد بن حمود بن محمد: ورد ذكره في عدد كبير من وثائق ينبع النخل، وتوفي سنة 1409هـ. والذي يبدو لي أن عبدالكريم بن جابر المشار إليه أعلاه كان له إخوة وأبناء عم في ينبع النخل في بداية القرن الثالث عشر الهجري، فقد أشارت الوثائق إلى كل من: محمد بن جابر، ورزق بن جابر (20-4-1231هـ)، وإلى مساعد بن جابر، وراشد بن جابر، وعطية الله بن رزق بن جابر، وأحمد بن عودة بن معيقل (15-1-1235هـ)، مما يعني أن جدهم الأول قدم إلى المنطقة قبل ذلك التاريخ. ويستفاد من الوثائق التاريخية أيضا أن عبدالكريم له من الأبناء: مبارك ومحمود وعبدالله. ومما ينبغي الإشارة إليه أن بعض أعلام هذه الأسرة يردون أحيانا باسم ابن معيقل القايدي، وقد نسبوا إلى القايدي تجاوزاً لوجودهم مع قبيلة القواد من حرب، فانتسب إليها بعضهم اسما فقط، مع احتفاظهم بنسبهم إلى قبيلتهم بلي، كما هو واضح مع نصوص وثائقهم الأخرى. ولأن المجال هنا لن يتسع للحديث عن جميع مشاهير هذه الأسرة الكريمة وأعيانها، فقد رأيت التوقف عند علمين اثنين فقط كمثال للدور الريادي الذي قام به أبناء هذه الأسرة في منطقة ينبع النخل، قرية سويقة، وهما الشيخ حمود بن محمد بن معيقل، وابنه محمد بن حمود بن معيقل، وسنبدأ بالأول، فأقول وبالله التوفيق: حمود بن محمد بن محمود بن عبدالكريم بن جابر بن معيقل: ولد في قرية سويقة بينبع النخل في حدود سنة 1280هـ، ونشأ وتعلم بها العلوم الشرعية على يد علماء المنطقة حتى صار من أشهر الكُتّاب المحليين، إلى أن توفي رحمه الله سنة 1361هـ. وقد اطلعت على كثير من أوراقه التي كتبها بخطه الجميل، لكن أهمها بالنسبة لي هو دفتر قديم مستطيل ومغلف بغلاف جلدي يتكون من حوالي 60 ورقة من الورق القديم غير المسطر، لكن عدد الأوراق التي فيها تدوينات وكتابات لا يزيد على 43 روقة، أما البقية فليس فيها كتابة، وقد صُدِّر هذا الدفتر بالعبارة التالية: (بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا دفتر مبارك إن شاء الله لضبط أوخار وعظام ومياه خيف فاضل المعمور، جرى تحريره بمعرفة العبد الفقير إلى الله تعالى، الراجي عفو مولاه: حمود بن محمد بن معيقل غفر الله له، آمين.. وذلك تحريراً في اليوم الرابع عشر من جمادى الثاني سنة 1339هـ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). وبالمناسبة فإن الأوخار والعظام هي حصص ماء العيون المخصصة لملاّك الماء.وقد خلَّف حمود بن محمد من الأبناء: محمد، وأحمد، وحامد، وحمدان. وسوف نتحدث عن محمد وأولاده فيما بعد.أما أحمد فخلّف: علياً. وأما حامد فخلّف: عبدالله وعبدالرحمن، وعبدالله هو د. عبدالله المعيقل، الكاتب والأستاذ المعروف بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض.أما حمدان فخلَّف: عبدالرحمن، وإبراهيم، وعبدالله، ومحمد. محمد بن حمود بن محمد المعيقل: ولد محمد بن حمود بن محمد بن محمود بن عبدالكريم بن جابر بن معيقل البلوي في ينبع النخل سنة 1323هـ، وتعلم على علمائها المحليين وعلى قضاتها المعينين في العهد السعودي بعد انضمام الحجاز إلى الدولة السعودية سنة 1344هـ، وكان من أشهر أولئك العلماء الشيخ ناصر الوهيبي قاضي ينبع في أواخر عهد الملك عبدالعزيز، حيث تعلم على يده علم الفرائض حتى برع فيه، واشتهر بإجادته، كما كان ضليعاً بالعلوم الشرعية الأخرى، وفوق ذلك فقد كان ذا خط جميل، ورثه عن والده المشهور بحسن خطه. وقد مارس الشيخ محمد بن معيقل التعليم في قريته، ولما جاء التعليم النظامي عُين مدرساً ثم مديراً لأول مدرسة نظامية في قرية الجابرية إحدى قرى ينبع النخل، وذلك في شهر جمادى الأولى 1370هـ، وكان مدير التعليم آنذاك الشيخ محمد بن مانع رحمه الله. وكان حلمه الذي يراوده هو افتتاح مدرسة في قرية سويقة إيماناً منه بأهمية التعليم ومحو الأمية من قريته، وأخذ جاهداً في مساعيه حتى تم افتتاح مدرسة سويقة في 1-1-1371هـ، وكلف بإدارتها. وكانت مدرسة قروية تنتهي بشهادة الصف الرابع، وبعد سنتين من افتتاحها أي عام 1373هـ حُولت المدرسة من مدرسة قروية إلى مدرسة ابتدائية تمنح الشهادة الابتدائية من الصف السادس، وأول دفعة تخرجت في المدرسة كان عام 1376هـ. استمر معلماً جنباً إلى جنب مع زملائه السعوديين وغير السعوديين وهو يرى المدرسة تتطور يوماً بعد يوم بتطور النهضة التعليمية في بلادنا برعاية خادم الحرمين الشريفين حينما كان وزيراً للمعارف. وفي شهر رجب من عام 1383هـ أحيل للتقاعد لبلوغ السن القانونية. كان مجلسه يرحمه الله مكانا لحل مشاكل أهل القرية والإصلاح بينهم، وكثيراً ما يكلف رسمياً من قبل إمارة ينبع مع عدد من مشايخ قرى ينبع بالوقوف على القضايا وحلها بالإصلاح ما أمكن. كان واسع الاطلاع في الكتب الزراعية، وكان يحاول أن يطبق ما يقرأه عملياً في زراعة النخيل وغيرها لأنه كان عاشقاً للزراعة. بعد أن رأى جفاف عيون ينبع عزم على الانتقال منها إلى المدينة المنورة، وكان ذلك عام 1405هـ، وبعد أربع سنوات من نزوله في المدينة وافاه الأجل المحتوم، وكان ذلك ظهر يوم الثلاثاء الموافق 10-4-1409هـ، وصُلي عليه في المسجد النبوي الشريف ودُفن في البقيع بعد أن شارك في تشييعه كثير من تلاميذه ومحبيه، رحمه الله رحمة واسعة. وبالإضافة إلى ذلك فقد عمل مأذوناً شرعياً بموجب المأذونية الصادرة من محكمة ينبع الشرعية بتاريخ 6-3- 1365هـ، كما مارس الكتابة للناس في أمورهم اليومية، وقد اطلعت على عدد من الوثائق وعقود الأنكحة، المكتوبة بخطه الجميل وعباراته المتقنة، مما يدل على تمكنه العلمي واللغوي. كما تدل الوثائق والأوراق والدفاتر التي تركها الشيخ محمد بن حمود بن معيقل على ما له من مكانة تجارية مرموقة، فقد كان من أمناء عيون سويقة العارفين بتوزيع حصص الماء على أهل القرية، كما كان من المسؤولين عن نظارة العيون وعمارتها. وقد توفي رحمه الله سنة 1409هـ بعد حياة حافلة بالعلم والصلاح والمكانة الاجتماعية، وخلّف من الأبناء الذكور: معيقل، يقيم في ينبع البحر مع أولاده، وعبدالعزيز، وحمود، وكلهم من أهل الفضل والصلاح، يقيمون الآن في المدينة المنورة مع أولادهم. ومن الجوانب التي تميز بها الشيخ محمد بن حمود بن معيقل بالإضافة إلى ما سبق، حسه التاريخي، واهتمامه بتدوين بعض ملحوظاته الشخصية وبعض المعلومات المتعلقة بحياته وأسرته، وقد رأيت أن أستعرض أمثلة منها مما وجدته في بعض دفاتره وأوراقه، وخاصة أحد دفاتره التي سلمت من الضياع والتلف، ومنها دفتر تجاري استخدمه لتسجيل حسابات مالية لبعض المتعاملين معه. كتب ورقته الأولى بخط جميل:(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا دفتر مبارك إن شاء الله تعالى لصاحبه العبد الفقير إلى الله سبحانه وتعالى الراجي عفو ربه محمد بن حمود معيقل).. ثم كتب تحتها مباشرة:(تحرر به الحساب ابتداء في 25 رمضان سنة 1352هـ و11 يناير 1934م و3 طوبة 1650). وذلك الدفتر مليء بالقيود والتسجيلات التجارية اليومية العادية، كما يتضمن أيضا بعض المبايعات أو العقود الدارجة في ذلك الوقت، مما يعني أنه كان يقوم بدور كبير في الكتابة بين الناس، خارج محكمة ينبع الشرعية، وهذا يدل على مكانته وشهرته في الكتابة والقضاء المحلي غير الرسمي، لكن الذي يهمني هنا هو المدونات التاريخية البسيطة المتناثرة بين ثنايا ذلك الدفتر التجاري، وهذه المدونات التاريخية تدل على الحس التاريخي لكاتبها، وتدل على مدى إلمامه واهتمامه بالأمور المحيطة بها، واطلاعه على تواريخ بعض الصحف والتقويم المتاحة في زمنه، حيث نجده يدون التواريخ بالهجري والميلادي والشمسي. ومن أمثلة مدوناته التاريخية اليومية ما يأتي: - بهذا التاريخ يوم الخميس 23 شوال 1352هـ (8/ فبراير/ 1934م) غرسنا في بلادنا اللياح، غرسنا شجيرات وعيدان الحماط. وأيضا غرسنا بهذا التاريخ شتلة يوسفي. وفي أول فبراير قلمنا العنب حقنا الكاين باللياح. وأيضا أول فبراير غرسنا عقل العنب عندنا في البستان في محلة المستديم، ونسأل الله الصلاح (ص10). - عينة بنت عبداللطيف جريدي توفي عنها زوجها عوجة بن ماضي سنة 62 (ص24). - زرعنا المقثاة حبحب وخربز وخيار في يوم الاثنين المبارك الموافق 27 ربيع أول سنة 1353هـ الموافق 9 يوليو 1934م فرنجي، وتلك المقثاة في بقع ابن جودة (ص28). - في يوم الأحد الموافق 7 صفر 1364هـ وصل صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز إلى المحل المسمى الشرم بقرب ينبع البحر. وفي يوم الأربعاء الموافق 10 صفر سنة 1364هـ وصل صاحب الجلالة ملك مصر فاروق الأول، وذهب الملك فاروق للمدينة للزيارة في يوم الخميس الموافق 11 من الشهر الجاري، ورجع من المدينة السبت الموافق 13 منه. وفي يوم الاثنين الموافق 15 من الشهر الجاري ملك مصر توجه على ظهر الباخرة قاصداً مصر، وصاحب الجلالة عبدالعزيز توجه على السيارات قاصداً مكة المكرمة، فأهلا بالملكين الجليلين ونسأل الله التوفيق والهدايا لهما وإصلاح المسلمين (ص29). - بيان شغل في بيتنا الذي اشتريناه من حامد بن بنية في 24 صفر سنة 1355هـ.. إلخ (ص32). - يستفاد من مراسلاته مع أمين أموال ينبع في 2-4- 1354هـ أن أمين أموال ينبع كان محمد العثمان الناجم في ذلك التاريخ (ص46). - شراء بيت من حامد بن عودة بن بنية بتاريخ 24 صفر سنة 1355هـ (ص57). - زبيدة ولدتها أمها ليلة 18 جمادى الثاني 1352هـ (ص57). - معيقل جاءت به أمه، ولد ليلة الأربعاء الموافق 8 صفر سنة 1355هـ الموافق 29 أبريل 1936م (ص57). - عبدالعزيز ولدته أمه في يوم الخميس العصر الموافق 25 القعدة سنة 1358هـ (ص57). - عزة ولدتها أمها يوم الخميس الضحى الموافق 25 شوال سنة 1363هـ. - حمود ولدته أمه ليلة الثلاثاء الموافق 4 جمادى الثاني سنة 1367هـ. - عايشة ولدتها أمها في صباح يوم الأحد بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس في 6 شعبان 1367هـ. - قلمنا العنب في سنة 1353هـ، في 20 برج الدلو الموافق 29 شوال سنة 1353هـ الموافق 4 فبراير سنة 1935م الموافق 27 طبوية 1651 . - ابتداء البار في النخل الفروخ في 1 ذي القعدة سنة 1353هـ. - بان الزهور في اللون في غرة صفر سنة 1354هـ. - آخر جداد النخل 18 جمادى الثاني سنة 1354هـ. - ابتدأ الطلع في اللون في 20 رمضان سنة 1354هـ. - خسوف للقمر ليلة الأحد 16 ربيع ثاني سنة 1355هـ، جزئي. - كسوف للشمس في صباح يوم الجمعة 29 ربيع أول سنة 1355هـ. - قسمنا الرز على البيوت، مصرف خمسة وعشرين يوم ابتداء من يوم 28-1-1360هـ إلى 22-2-1360هـ. - قسمنا السكر 8 أقة، والشاهي 6 أقة، ابتداء من يوم 6 إلى 25-2-1360هـ، عشرين يوماً.. وفي هذين الخبرين إشارة إلى مجاعة سنة 1360هـ، وأمر الحكومة بتوزيع المؤن على أهل الحجاز. انتهى ما اخترناه من مدوناته التاريخية ومذكراته الشخصية على سبيل المثال لا الحصر، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر لنا وله ولجميع المسلمين.
للمواصلة هاتف وفاكس 4918131 |