Friday 27th May,200511929العددالجمعة 19 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ما قيل في ماء زمزم (2-3)ما قيل في ماء زمزم (2-3)
د. محمد بن سعد الشويعر

وقد جاء في صحيح ابن خزيمة: عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب دلواً من ماء زمزم قائماً. وقال: قال أبو بكر: أراد شَرِبَ من الدَّلو، لا أنه شرب الدلو كلَّه، وهذا من الجنس، أن اسم الشيء قد يقع على بعض أجزائه، كقوله: ولا تجهر بصلاتك، فأوقع اسم الصلاة على القراءة خاصَّة.
وأورد في استحباب الاستقاء من ماء زمزم: إن النبي قد أعلم أنه عَمَلٌ صالحٌ، وأعلم: أن لولا أن يغلب المستقى منها على الاستقاء لنُزع معهم. وقال: عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمِّك، فأُتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال (اسقني)، فقال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه، فقال: (اسقني)، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: (اعملموا؛ فإنكم على عمل صالح)، ثم قال: (لولا أن تغلبوا لنزعتُ حتى أضع الحبل على هذه)، يعني عاتقه، وأشار إليها. قال أبو بكر: هذا من الجنس الذي نقول: إن الإشارة تقوم مقام النطق (صحيح ابن خزيمة 4: 305-307).
أما ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (الفتح الرباني) فقد سبق مروره في القصة المصاحبة للمقال باسم إسلام أبي ذرٍّ. وإذا رجعنا إلى المؤرخين والرَّحَّالين والحجاج الذين يكتبون عن مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والحج، وهم كثيرون جداً، فإننا نراهم يهتمون ببئر زمزم، ويتعرّضون لمائها، ويُوردون أحاديث وروايات مما كتبه مؤرخون قبلهم، أو مما عنَّ لهم من روايات في بعضها عدم التوثيق، ومنها ما يفهم منه الاهتمام بالأمور العاطفية والمثيرة.
وقد استحسنتُ عدم ذكر تلك المصادر كلها؛ لأن بعضهم ينقل عن بعض، إلا أنني ارتأيت الاستئناس بمصدرين:
الأول: أخبار مكة للأزرقي المتوفَّى عام 244هـ؛ لأنه من المتقدمين، ولكثرة مَن ينقل عنه.
والثاني: تاريخ عمارة المسجد الحرام لحسين عبد الله باسلامة المتوفَّى عام 1364هـ باعتباره من المتأخرين، وحقَّقه عمر عبد الجبار.
قال الأزرقي في باب (ما جاء في إخراج جبريل زمزم لأم إسماعيل)، فقد أورد ذلك بسند إلى عبد الله بن عباس: أنه حين كان بين أم إسماعيل بن إبراهيم وبين سارة امرأة إبراهيم ما كان، أقبل إبراهيم نبيُّ الله بإسماعيل وهو طفل ترضعه أمه حتى قدم بهما مكة، ومع أم إسماعيل شنَّة فيها ماء تشرب منه وتدر على ابنها، وليس معها زاد، فعمد بهما إبراهيم إلى دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد بين التبر والصفَّة، فوضعهما تحتها، ثم توجَّه إبراهيم خارجاً على دابته، واتبعت أم إسماعيل أثره حتى وافى إبراهيم (بكراً). يقول: فقالت له أم إسماعيل: إلى مَن تتركها وولدها؟ قال: إلى الله عز وجل. فقالت: قد رضيت بالله عز وجل. فرجعت تحمل ابنها، حتى قعدت تحت الدَّوحة، ووضعت ابنها إلى جنبها، وعلَّقت شنَّتها، تشرب منها وترضع ابنها، حتى فني ماء شنَّتها، فانقطع درُّها، فجاع ابنها، فاشتدَّ جوعه، حتى نظرت إليه أمُّه يتشحَّط، فخشيت أن يموت، فأحزنها ذلك، فقالت لنفسها: لو تغيَّبتُ عنه حتى يموت ولا أرى موته، فعمدت إلى الصفاء حين رأته مشرفاً تستوضح عليه، لعلها ترى أحداً بالوادي، ثم نظرت إلى المروة فقالت: لو مشيتُ بين هذين الجبلين، تعلَّلت حتى يموت الصبي ولا أراه. فمشت بينهما ثلاث مرات أو أربع، ولا تجيز ببطن الوادي في ذلك إلاَّ رملاً، ثم رجعت إلى ابنها، فوجدته ينشع كما تركته، فأحزنها، فعادت إلى الصفاء تعلِّل حتى يموت ولا تراه، فمشت بين الصفاء والمروة، كما مشت أول مرَّة، حتى كان مشيها بينهما سبع مرَّات، قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بين الصفاء والمروة.
فرجعت أم إسماعيل تطالع ابنها، فوجدته كما تركته ينشع، فسمعت صوتاً فرنت إليه، ولم يكن معها أحد غيره، فقالت: قد أسمع صوتك، فأغثني إن كان عندك خبر، فخرج لها جبريل عليه السلام، فاتبعته حتى ضرب برجله مكان البئر، فظهر ماء فوق الأرض، حيث فحص جبريل.
قال ابن عباس: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (فحاضته أم إسماعيل بتراب، تردُّه خشية أن يفوتها قبل أن تأتي بشنَّتها). يقول صلى الله عليه وسلم: (ولو تركته كان عيناً معيناً يجري). فجاءت أم اسماعيل بشنَّتها فاستقت وشربت فدرَّت على ابنها. فبينما هي كذلك إذ مرَّ ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلي، فرأى الركب الطَّير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس، فأرسلوا نفرين حتى أتيا أم إسماعيل، فكلَّماها ثم رجعا إلى الركب، فأخبراهم بمكانها، فرجع الركب كلُّه حتى حيَّوها فردَّت عليهم، وقالوا: لمن هذا الماء؟ قالت: هو لي، قالوا: أتأذنين لنا أن نسكن معك عليه؟ قالت: نعم. قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (ألفى ذلك أم إسماعيل، وقد أحبَّت الإنس).
فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا، وسكنوا تحت الدوح، واعترشوا عليه العريش، فكانت معهم هي وابنها. قال بعض أهل العلم: كانت جرهم تشرب من ماء زمزم، فمكثت بذلك ما شاء الله أن تمكث، فلما استخفَّت جرهم بالحرم، وتهاونت بحرمة البيت، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهدى لها سراً وعلانية، وارتكبوا مع ذلك أموراً عظاماً، نضب ماء زمزم وانقطع، فلم يزل موضعه يدرس ويتقادم وتمرُّ عليه السيول عصراً بعد عصر حتى غبي مكانه، وقد كان عمرو بن الحارث الجرهمي قد وعظ جرهماً في ارتكابهم الظلم في الحرم واستخفافهم بأمر البيت وخوَّفهم النقم، وقال لهم: إن مكة بلد لا تُقِرُّ ظالماً، فالله الله قبل أن يأتيك مَن يخرجكم منها خروج ذلٍّ وصَغار، فتتمنوا أن تُتركوا تطوفون بالبيت، فلا تقدروا على ذلك.
فلما لم يزدجروا، ولم يعوا وعظه، عمد إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف ملقية، كانت أيضاً في الكعبة، فحفر لذلك بليل في موضع زمزم، ودفنه سراً منهم، حين خافهم عليه، فسلَّط الله خزاعة فأخرجوهم من الحرم، وولِّيت عليهم الكعبة والحكم بمكة ما شاء الله أن تَلِيَهُ، وموضع زمزم في ذلك لا يُعرف لتقادم الزَّمن، حتى بوَّأه الله تعالى لعبد المطلب بن هاشم لما أراد الله ذلك، فخصه به من بين قريش (2: 39- 41).
ثم أورد قصة حفر زمزم التي قام به عبد المطلب جدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤياه في تحديد مكانه، ومخاصمة القبائل له في حفر زمزم، وتوسَّع في هذا (ص 42- 49).
وفي فضل ماء زمزم نقل عن وهب بن منبه (34-114هـ) التابعي الذي قال المترجمون: إن له علماً بأساطير الأولين، وكثير الأخبار عن الكتب القديمة، فيقول عن زمزم: والذي نفس وهب بيده، إنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله برَّة وشراب الأبرار، لا تنزف ولا تذمُّ، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم. والذي نفس وهب بيده، لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلَّع إلا نزعت منه داءً، وأحدثت له شفاء.وأورد أثراً عن مجاهد قال: ماء زمزم لما شُرب له، إن شربته تريد شفاءً شفاك الله، وإن شربته لظمأ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهي هزمة جبريل بعقبه، وسقيا الله إسماعيل عليه السلام (2: 50).
أما عن غور زمزم فقال: وفي مقرها ثلاث عيون: عين حذاء الركن الأسود، وعين حذاء أبي قبيس والصفاء، وعين حذاء المروة. وقد قلَّ ماؤها جداً، حتى كانت تجمُّ في سنة 223- 224هـ، فضرب فيه 4 مرات في عهد الخلفاء العباسيين، وكان محمد بن شير من أهل الطائف يعمل فيها، فقال: أنا صليت في مقرها. وفي عام 225هـ جاء الله بالسيول والأمطار فكثر ماؤها.
وكان أول مَن عمل الرخام على زمزم الخليفة أبو جعفر وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام، ثم عملها المهدي في خلافته (2: 61) -
للحديث صلة -
من فضائل زمزم
أورد صاحب المقالة عن حقائق زمزم واقعةً في العلاج ضد السرطان لألمانية أبرأها الله من مرضها المستفحل ببركة ماء زمزم. ولما كان قد مرَّ بنا حديث جابر: (ماء زمزم لما شُرب له) فإن أبا ذرٍّ رضي الله عنه لما أسلم وصرخ بإسلامه في مجمع الكفار ضربوه وآذوه حتى أشرف على الموت، وقد تركوه خوفاً على تجارتهم بعدما حذَّرهم العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، فجلس أبو ذر في مكة حتى شفي لا طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، حتى سمن وظهر له عِكَنٌ. وقد استحسنتُ هذه القصة لأوردها. يقول الكاتب: دعيتُ وأنا في مكة إلى مأدبة غداء في بيت أحد الإخوة العرب الذين يعملون في مكة، ونحن نتجاوز 35 شخصاً، فدار حديثنا حول ماء زمزم وما فيه من معجزات إلهية، فحدثنا أحدهم، ويدعى أبا عمر، فقال: امرأة ألمانية قد أسلمت هي وزوجها وعائلتها قبل سنوات، وحسن إسلامهم جميعاً، ولكن شاءت إرادة الله أن تُصاب المرأة بمرض السرطان، وعمرها تجاوز الخمسين، وعرضها زوجها - وهو ميسور الحال - على مشاهير الاختصاصيين، واستسلمت لأنواع العلاج الحديث بكل وسيلة.
ومع ذلك فإن الداء كان ينخر في جسمها، حتى يئس الأطباء بعد سنة من العلاج، فتم إيقاف العلاج، وأعلنوا عن توقفهم القسري في التمادي في علاجها، ولما أدركت هي أن حياتها أصبحت ميؤوساً منها، وأنها تقارب من نهايتها طلبت من زوجها أن ينقلها إلى مكة المكرمة لتموت وتدفن هناك، فجاء بها قبل ثلاث سنوات فأدَّت مناسك العمرة، وبترخيص خاصٍّ أقامت في مكة؛ حيث تدخل المسجد الحرام قبل الفجر وتبقى طوال النهار، تستعمل خلال ذلك ماء زمزم بكثرة.
وبتعاقب الأيام كانت تشعر بصحتها تتقدَّم نحو العافية، وما أن انقضت ستة أشهر حتى وجدت الأعراض التي كانت تشكو منها قد أوشكت على الزَّوال، وبخاصة الآلام الممضَّة، فاشتقات لبلدها ولعائلتها. فقررت العودة إلى ألمانيا، وهناك راجعت المستشفى الذي كانت تعالج فيه، وكم كانت دهشة الأطباء الذين كانوا يعالجونها كبيرة حين فوجئوا بزوال أورام العقد الليمفاوية، واندمال بعض التآكلات في جسمها. ولما سألوها عن نوع العلاج الذي استعملته أخبرتهم أنه ماء زمزم، وليس شيئاً آخر غيره، ثم قدَّمت لهم قنينة مما حملته معها. وبعد الفحص والتدقيق رغبت في العودة إلى مكة، فصحبها الطبيب الإخصائي الذي أعلن إسلامه (361- 362).
وهذا ليس بغريب؛ فإن الشفاء من الله، وإذا علم من عبده صدق النِّية والإخلاص فإن ماء زمزم فيه العلاج؛ لأنه لما شُرب له. وقد نُشرت منذ سنوات قليلة قصة مماثلة لفنانة مصرية شفاها الله من السرطان باستمرار المداومة على ماء زمزم، وصدق الله العظيم في قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}(فصلت: 53)

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved