كثير من النَّاس إذا تولَّى في وظيفته مسؤوليةً أعلى، أو نال درجةً أرقى تغيَّر أسلوبه، فمن هؤلاء من يترفَّع عن النَّاس بمنزلته.. وهذا فيه من الكِبْر ما فيه، ومنهم من يرتفع النَّاس به لمنزلته.. وهذا فيه من التواضع والخير ما فيه. ولكن .. يدور في الذهن سؤال، وهو: لماذا يتغيَّر فلانٌ من النَّاس بعد الترقية الجديدة، أو بعد أن يتولَّى منصباً جديداً،.. أو بعد نجاحه في انتخابات جرت؟! للإجابة عن هذا السؤال.. تعالَ معي نسترجع موقفين من مواقف تاريخنا الإسلامي العطر لشخصيتين إسلاميتين لهما دورهما البارز في نشأة الدولة الإسلامية، واتساع رقعتها التي امتدت إلى ما شاء الله لها أن تمتد؛ لنرى مدى تأثير المنصب في من يتولاَّه. الشخصية الأولى: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقد كان رقيق القلب، أسيفاً (يغلب عليه البكاء) عند قراءة القرآن، رفيقاً في تعامله مع سائر النَّاس.. إذا نظرت إلى شخصيته بعد أن تولَّى الخلافة رأيت أن تلك الشخصية قد مالت إلى الشِّدة والحزم، فالدولة الإسلامية في ذلك الوقت تحتاج إلى تلك الشِّدة وذلك الحزم.. فكانت قولته المشهورة لمانعي الزكاة (واللهِ لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه)، وما ذلك الحزم إلا ليقطع الطريق على أولئك المنافقين والمترددين المرتدين والذين قد يستغلون رفقه ورحمته - إذا وضعهما في غير موضعهما - للانفِكاكِ من عُرَى الإسلام عُروةً عُروةً.. مما يؤدّي إلى تقويض أركان الدولة بأسرها.. فضرب أروع مثال للحاكم الحازم الرحيم. والشخصية الثانية: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - والذي عُرِف بالشِّدة والصرامة مما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول عنه: (إن عمر بن الخطاب لو سلك طريقاً لسلك الشيطان طريقاً آخر)؛ وما ذلك إلا لشدته.. والتي حوَّلها المنصب أو بالمعنى الأكثر دقةً - المسؤولية - إلى رحمة ولين، يدعمهما عدل نابع من ورعه وتقواه.. فضرب مثالاً للحاكم العادل الحازم الرحيم الذي لا تُرسم شخصيته إلا في مثاليات الروايات والأساطير، وعواصم مدن أفلاطون الفاضلة. إذن.. تؤثِّر المسؤولية في شخصية من يتولاَّها، وكذلك الظروف المحيطة به، وما تقتضيه تلك الظروف.. واليوم.. وقد تعدَّدت المسؤوليات، وغلبت الشَّهوات، وتصارعت الأماني، حتى داخل النَّفس الواحدة.. ما أن يتولَّى الشخص منصباً من المناصب، أو وظيفة ذات علاقة جماهيرية إلا وتنهال عليه التَّهاني والتبريكات.. وتُلقى عليه قصائد المدح الطوال بما فيه وما ليس فيه؛ لتهفو نفسه إليها!! فالنفس جُبِلت على حبِّ الثَّناءِ!! تنهال عليه التَّهاني من الجميع: المحيطين، والبعيدين، والأقارب.. - فيهنِّئه المحيطون به ومَن هم تحت رئاسته - الكثير منهم - إمَّا طمعاً في منفعة، أو رغبةً في نظرة رضا تتبعها علاوة، أو ترقية.. وإمَّا رهبة من وقوع عقوبة على تقصير حاصل، أو ربما سيحصل مستقبلاً.. ينظرون إليه نظرة ترقُّبٍ وحذر، متمنين أن يتسم عهده بمرونة الفوضى وعدم الالتزام!! وهؤلاء يجب الحذر منهم!! ويهنِّئه البعيدون، وهم الجمهور من عامة النَّاس، الذين يأملون منه تغيير واقع مؤلم قائم، ويدعون الله مخلصين من أعماق قلوبهم أن يتغيَّر الوضع إلى الأفضل بقدوم هذا المسؤول الجديد إلى كرسي الوزارة أو الإدارة..أما أقارب المسؤول الجديد ففرحتهم به ليست لها حدود.. فتأتيه الوفود رجالاً وركباناً، وتهنئة، الكثير منهم يرافقها معروض طويل، يطلبون فيه شيئاً من ذلك (المسكين) الذي لم يجلس على كرسيِّه الجديد بعد.. وأغلب مطالبهم إن لم يكن جميعها (فوق القانون).. هذا، وإلا فالقطيعة ستدبُّ في العائلة، ويعتب عليه من يعتب، ويُتَّهم بالعقوق والتَّقصير..ولكن المشفقين عليه، يهنِّئونه، ولسان حالهم يقول له: عظَّم الله أجرك بتلك المصيبة التي حلَّت بك، والهمِّ الثَّقيل الذي نزل عليك، كان الله في عونك في تلك المسؤولية التي ستُسأل عنها يوم القيامة.؟. يوم لا ينفعك مال جمعته، ولا بنون جمعت المال لهم!! يتذاكرون فيما بينهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر الغفاري حين سأله أن يستعمله على قُطْرٍ من الأقطار، أو بلدٍ من البلدان يا أبا ذر: إنَّك ضعيف وإنَّها أمانة.. وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها.. - فيا أيُّها المهنِّئون.. رفقاً.. لنبدَأْ أولاً بالدعوات له بالتوفيق والثَّبات.. ثم التَّهاني على الجديد والإنجازات.. ونخلص له النُّصح: أن أنصِتْ إلى المخلصين من البعيدين، واحذر المحيطين، وأعانك الله على مطالب الأقارب!!ولا يأسِرْك سيلُ التَّهاني.. فليس بعد التَّهاني إلا صعب المطالب والأماني!!
|