يتسم الفعل الإنساني بالتنوّع والاختلاف، تنوع في منظومة العقائد والقيم والعادات، واختلاف في أنماط التفكير وسمات الشخصية وخصائص المزاج العام، ويمتاز التفاعل الاجتماعي بالديناميكية في التغيير والتبدل من حال إلى آخر، سواء كان التغيير إيجابياً أو سلبياً أو خليطاً من هذا وذاك، وبات يسعنا القول بأن من سمات هذا العصر - وما أكثر سماته - سرعة معدل التغيير؛ لا سيما في المجتمعات التي تعيش في قلب أو على أطراف المعادلة الحضارية، ونعني بها تلك التي تشهد تصاعداً أو نزولاً في مستويات الأداء الحضاري بمعدلات واضحة، واصطباغ الحياة الإنسانية بذلك القدر من التنوع والتغيير، يجب أن يقودنا بشكل منطقي إلى الإيمان بقيمة الحوار، حوار الإنسان مع ذاته وحواره مع من حوله من بني جنسه وغيرهم، وأن الحوار قضية لا تستقيم الحياة بدونها، بل لا يمكننا تصورها، إذ بفقدها تتحول الحياة إلى ساحة صراع أو محكمة عسكرية يحضر فيها كل شيء إلا العدل والرحمة والكرامة الإنسانية، هنالك تسود لغة القوة ويغيب منطق العقل ويتوارى وهجه خلف عضلات غبية بائسة! الحوار مع الآخر... شعار جميل تتناقله الألسنة وتسود به الصفحات بشكل مكثف وعلى نحو متزايد في السعودية، لا سيما هذه الأيام، حيث اختير الحوار مع الآخر - تحت عنوان (نحن والآخر: رؤية وطنية مشتركة للتعامل مع الثقافات العالمية) - موضوعاً للقاء الخامس للحوار الوطني السعودي. وربما نتفق على أن موضوع الحوار قد نوقش بغزارة شديدة في الأدبيات العربية وبمداخل مختلفة، منها المداخل النفسية والاجتماعية والتربوية والسياسية والإدارية، ويأتي هذا المقال المختصر لتناول ذات الموضوع من خلال المدخل الحضاري في الحوار مع الآخر، والذي اعني به الآخر المختلف معنا أيديولوجياً في الشق العقدي - الفلسفي والقيمي - الأخلاقي. وقبل نقاش جملة من القضايا التي يرتكز عليها المدخل الحضاري بشأن الحوار، يلزمني التأكيد على أن ذلك المدخل هو الأقدر على تحقيق درجة أكبر من النجاح في ترسيخ جذور الحوار، ثقافة ومبادئا وآداباً وممارسة لدى مختلف الشرائح الاجتماعية في عالمنا العربي، حيث إن ذلك المدخل يكسب الإنسان درجة عالية من الفهم لشروط ومقومات التحضر وعوائقه وتكاليفه ومراحله، مع ما يتضمنه ذلك الفهم من استيعاب متعمق لطبيعة الإنسان، روحاً وعقلاً وجسداً، في خضم حراك اجتماعي مربوط بتروس مسار التحضر، كل هذا يمنح الإنسان قدراً أكبر من المرونة الذهنية في أبعادها العلمية والفلسفية والاجتماعية والتربوية. هذا يشجعنا - إن سلم لنا بما سبق - على إيجاد آليات ذكية للإفادة من المدخل الحضاري في بناء بيئة أكثر فعالية في الحوار ويمكننا البرهنة على فرضية فعالية ذلك المدخل من خلال إبراز بعض منطلقاته التي يؤمن بها ويبشّر بها. وطلباً للتركيز والاختصار أقف مع ثلاثة منطلقات للمدخل الحضاري دون ولوج في تفاصيلها الصغيرة ، وذلك عبر العناوين التالية: 1 - الاختلاف سنة كونية ينطلق البعد الحضاري في العمليات الإصلاحية والنهضوية والتفاعلية في المحيط الإنساني والاجتماعي من مسلّمة أن الاختلاف سنة كونية لا تتبدّل ولا تتخلّف مكاناً أو زماناً، مسترشداً بما جاء في التنزيل {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (118) سورة هود ، فالناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، وينبثق الاختلاف الإنساني من تلون طرائق التفكير والعقائد والقيم والتقاليد والتفضيلات والأمزجة بشكل يؤدي إلى حتمية (التغاير الإنساني والاجتماعي) الذي يفضي إلى أنواع من الاختلاف في الآراء ووجهات النظر والمفاهيم مما يخلق تبايناً في أنماط العيش وهندسة الحياة وخلافاً وصراعاً حول القرارات والمصالح والموارد. ويؤمن المدخل الحضاري بأن الحوار العقلاني وحده هو القادر على تسكين الألم الثقافي والاجتماعي ونزع فتيل الصراع والتصدع السياسي والعسكري. وبناء على ما سبق، يمكننا التقرير بأن المدخل الحضاري يؤكد حقيقة أن كوكب الأرض يسع الناس كلهم، وماءه يرويهم، وغذاءه يكفيهم، وهواءه يحتويهم، كما يؤسس لقواعد هامة تتلخص في: * إن أرضاً ليست بأرضك تحتاج إلى هندسة غيرك! * إننا نحتاج إلى الحوار لنتعايش معاً بسلام! * لنختلف ونتحاور دائماً والعبرة والغلبة لمن يملك الحجة والبرهان {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} )111) سورة البقرة. 2 - العدل والرحمة في الحوار والدعوة ينطلق المدخل الحضاري في الحوار والإصلاح والدعوة من مبادئ العدل والرحمة فيمن نتحاور معه لأسباب ثقافية أو مدنية، ويدخل في ذلك - ويهمني التنبيه إليه - التحاور مع الآخر بغية دعوته إلى ما نعتقد أنه الحق، ومن نجتهد في إصلاحه وفق إطارنا العقدي والقيمي، تلك الرحمة تجعلنا نبتعد عن كره من لا يؤمن بما نؤمن به، فنحن لا نكره إنساناً لذاته - ما لم يكن لنا معادياً - مع كرهنا الفطري لما يحمله من عقائد وأفكار وقيم تتنافر مع الحق الذي نعتقده... إنها رحمة تدفعنا إلى الترفع عن حقن قلوبنا بالمقت وملئها بالضغينة وسبكها بالحقد لمن تستوجب حاله العقدية أو القيمية الشفقة به وممارسة قدر من الحوار معه بغية نقل الخير والنور والرحمة إليه... الرحمة التي اختارها الذكر الحكيم كعلامة جودة فارقة وصفة سمو خالدة للرسالة الخاتمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(107)سورة الأنبياء. أيسوغ منطقاً وواقعاً أن ندعو وبالدرجة الكافية من الشفقة والرحمة من نكرهه ونمقته أم أن الدعوة لدى البعض ليست بدافع الرحمة بقدر ما هي لجمع الحسنات فحسب!؟ أي خروج بجوهر الدعوة عن سموها ومبادئها وعدلها ورحمتها...!! آن الأوان أن نعيد إلى الدعوة شرايين (عافيتها) الحضارية... العدل والرحمة. 3 - الانتقال من ضيق فهمنا للنصوص إلى سعة التطبيقات النبوية يتعامل المدخل الحضاري مع النصوص المقدسة بمنهجية علمية وبشكل تكاملي تبعده عن تشكيلات إنسانية نسبية في إطار يجب أن يظل دوماً مطلقاً، حيث يفهم النص في إطار سياقه التاريخي والتطبيقي، وفقاً للقواعد الأصولية الحاكمة في ذلك، فما الذي يجعلنا أو بعضاً منا ينظر مثلاً بضيق مفرط وظاهرية طافحة إلى نص واحد أو أكثر ونحمله ما لا يحتمل، كيف يحتفي أرباب النظر النصي الضيق - مثلاً - بنص (وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق)، ويتغافلون عن سياق التطبيقات النبوية الكريمة، أليس النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هو - مثلاً - من كان يعامل جاره اليهودي بكل الذوق الإنساني وكامل التأنق الاجتماعي، كيف نعمل نصاً ونهدم سيرة! ألا يقودنا ذلك إلى وجوب مراجعة طريقة تعاملنا مع النصوص! ألم يأمرنا الإسلام بحسن التعامل وحسن الصحبة مع آبائنا وإن كانا على غير ملة الإسلام؟ ألم يؤكد الإسلام على أهمية استصحاب الود مع الزوجة غير المسلمة؟ أفلا يقنعنا ذلك كله بوجوب مراجعة أدبيات وتفاصيل الولاء والبراء، من أجل تنقيتها من كل الآراء النسبية للبشر، ليبقى لنا النص والمبدأ مطلقاً بتطبيقات النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وجيله المعياري الأول من الخلفاء المهديين، والتي تطالعنا كتب السير بروعة تعاملهم مع الآخر عقدياً وقيمياً ودنيوياً، ونختم بالتأكيد على أن مدخل التحضر هو الأسلوب الأمثل للحوار مع ذواتنا ومع الآخر، مهما اختلفت دواعي الحوار وحيثياته، فقد تكون البواعث من وراء الحوار تحقيق تصالح أو تناغم في الأفكار أو الأرواح أو الأجساد أو المصالح، ومدخلاً كهذا جدير بأن تؤسس عليه عقول الناشئة وتشيد به أرواحهم في المصانع التربوية والإعلامية العربية، ونحن بذلك نقيهم من أسباب التطرف في الأفكار ودوائر العنف في العضلات!
(*) كاتب وأكاديمي سعودي |