Friday 27th May,200511929العددالجمعة 19 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الثقافية"

قبضة ماءقبضة ماء

خيطُ الماءِ الذي تمادى هطولاً كل الصيف ابتنى دائرة منخفضة من بلاط الشرفة.. ظلّ الماء الذي يرشق خفيفاً يذيب السخونة في ممرِّ الهطل بدءاً من الحافة السفلى للشرفة التي تعلو شرفتي حتى أرضيّتي ذات النقش غير المتماثل.
يعلو سقف ضوضاء حميمة في تلك الدائرة بعد كلّ ظهيرة، حيث تقطر الثياب ماءها في الشرفة الحجريّة، وتنسرب في المزراب المعدني، يتجلّد الفضاء المحيط، ويتكاثف قبل أن تثقل القطرة عن احتمال الالتصاق، فتنفجر فوق سطحي منبتة بحيرة ضئيلة في الظلّ المهجور.
بالماء تنتشر الحياة في وقت لم أكن أعرف خلاله سوى ذرع الجدران بانتظار ذوبان الظهيرة المملة، وأنا محاصرٌ داخل شقتي التي تستلقي تحت شقة جارتنا العربية العجوز، التي دأبت منذ سكنتْ على مدّ غسيلها فوق حبلٍ موازٍ لأصص الورد المتراصّة على سور الشرفة الصغيرة.
قبل أشهر قليلة اكتشف حمام الحي هذا الظل البارد، تمدد ريشٌ ناعمٌ تحت رشح الماء, وصارت الحكايات تنبت أمامي.. الوقت الذي بدا ممتداً كظلّ الغروب تآكل وانتهى تحت شمس حيّة عموديّة.
لا يوجد أمام جسد مرتخٍ فوق عجلتين، ومقعد جلديّ وثير الكثير ليفعله، استطالة أمد الفعل يجلب نُعاس الملل للأشياء: القراءة، شيزوفرينيا الدومينو حين أجد نفسي منحازاً لظلّي المقابل (الحرِّ الذي يمشي ويتقلّب كالبهلوانات)، اللعبة الإلكترونية، جهاز التحكم عن بعد.. كان الملل يقرض كل شيء.. لكنّ الحمام له حكايات لا تُملّ: حين تشقُّ المناقير قشرة الماء، وتلتمع العيون الصغيرة بالرواء بعد أن يقرقر الماء خفيفاً في العنق الطري تلك الحمايات الأبهج، يعقبه سكون ورضى، ويصدف أن ألمح زوجان مطوّقان يتعانقان فيما يهدلان بفتنة الصوت الشجي الرخيم.
كانت الشرفة اختراعاً هائلاً وقتَ استلذاذي مسْرَحَة الفضاء المقابل، وزمَّ طرفي الأثير كشقي ستارة فيما يلعب الحمام الدور الرئيس، راقصاً في حمأة القائلة على نقط الماء الرتيب.
يومان وأنا أفقد هذا الهديل، أسترقُ السمع من وراء الستارة لكن الهدوء الغامض يقذف في روعي أجنّة شكٍّ ترعرعت حين استطال أمد الغياب.
حين اقتربت أكثر للمرتع المعهود كانت البحيرة تتآكل، تقصُّ أطرافها شمسٌ غائلة، حيث لا مزوِّد يرشح في الجوار، لا سقّاء يجلجل في حي الحمام، كان هديرُ غسّالة أوتوماتيكية متسرب من الأعلى يطبق بيديه على عنق الحكايات.

سهام صالح العبودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved