Friday 27th May,200511929العددالجمعة 19 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الثقافية"

قصة قصيرةقصة قصيرة
صاحبة الابتسامة
منصور عبدالعزيز القدير

لكل شخص أمنيات وأحلام، ولكن أمنيات (يزيد)، الذي يدرس في دولة ألمانيا، طارت به بعيدا.. وجعلت أحلامه وأمنياته تدغدغ أفكاره وتقول. فرصتك هذا الصيف.. وأن تبتعد كثيرا برحلة بحرية إلى إحدى الجزر الجميلة.
وقع اختياره على إحدى الجزر الواقعة في أمريكا الجنوبية.. جهز ما يحتاجه في تلك الرحلة، وفي اليوم الموعود.. وما أن وصل إلى ذلك الميناء الذي ستكون بداية رحلته منه.. شد انتباهه تلك السفينة الكبيرة الراسية التي سوف يستقلها في رحلته، مرت عشر دقائق وهو ينظر لتلك السفينة من جميع الجهات - ومن خلال ما تستطيع عينة رؤيته - شد انتباهه.. حجمها، دقة تصميمها، وسأل نفسه.. في كم يوم تم تصميمها.. وأين تم تصميمها.. وكم شخص عمل أثناء تصميمها.. وكيف يستطيع ذلك البحر تحمل حجمها.. وكيف تسير داخل ذلك البحر!!؟ أفكاره حملته بعيدا وجعلته ينسى أنه حضر متأخرا، ولم يتبق وقت على إبحارها، وقاطع تفكيره صوت أحد موظفي السفينة وهو يقول له: أرجوك سيدي لا تتوقف كثيرا اصعد السفينة لقد حظرت متأخرا. انطلق نحو السفينة.. استلم يزيد غرفته التي تحتوي على كل شيء من وسائل الراحة، غرفة أنيقة بتلفاز وفيديو مع حمام كلاسيكي ونافذة دائرية والتي من خلالها يستطيع مشاهدة مصارعتها للأمواج.
مرت الدقائق والساعات على إبحارها.. وفجأة، أصابه شعور غريب بالوحدة، مع خوف ورهبة، وشعر بأن ما قام به يعتبر غلطة كبيرة، وأخذ يحاسب نفسه وهو يقول: لماذا قمت بهذه المجازفة.. وكيف أتحمل مدة تلك الرحلة وأنا داخل تلك الغرفة ولوحدي.. وكيف سيكون وضعي عندما يصيب تلك السفينة أي مكروه.. وأنا لا أجيد السباحة!؟ ليتني ذهبت لمشاهدة عائلتي والجلوس مع والدي ووالدتي وإخوتي.. لكان أبرك لي من ذلك البحر. أفكار وخواطر، عصفت بيزيد وجعلته يعيش أول أيام رحلته، بتلك الهواجس والمواجع.. وقطع ذلك التفكير طرق باب غرفته، وما أن فتح الباب حتى قابلته ابتسامة من شفتين جميلتين، فتاة بالغة في الجمال والرقة والجاذبية.. من أجل تسليمه أوراق برنامج الرحلة ومزودة بشريط فيديو.. لم يصدق ما شاهده.. ملامح عربية وبداخل تلك السفينة الأجنبية التي تعج بمختلف الجنسيات الأوروبية، لم يتمالك لسانه وقال: الأخت عربية؟ أجابته بلهجتها الشامية مع ابتسامة وقالت: شو خيوه.. نعم أنا عربية ومن دولة لبنان، وأحمل الجنسية الألمانية.. ومرحبا بك معنا في تلك الرحلة، ثم انصرفت بعد أن قالت له نشوفك بعدين بحكم أني مشغولة بتوزيع تلك الوراق. أغلق باب غرفة وهو يقول: صحيح أن الحياة مليئة بالمفاجآت! تلك الزيارة جعلت يزيد يعيش في جو آخر من الشعور بخلاف ما عاصره في بداية رحلته من أفكار والتي أوشكت على تدمير تمتعه بجمال رحلته. تلك الفتاة لم تفارق خيال يزيد بما تحمله من رقة وجاذبية وابتسامة. هم بقراءة أوراق برنامج الرحلة.. ومن خلال تصفحه وقعت عيناه على زائرته الفتاة الشامية صاحبة تلك الابتسامة وهي جالسة بداخل المطعم الإيطالي وهي تأكل وجبة (الماكرونة) عندها، شده شعور بأن تلك الفتاة تعمل في داخل ذلك المطعم الإيطالي.. وأنه يمكن الوصول إليها ومشاهدتها ومحادثتها عند زيارته لذلك المطعم الإيطالي.. وبالبحث داخل أوراق ذلك البرنامج عن موقع المطعم الإيطالي، ولكن بغير نتيجة لجهله بالدور الذي هو فيه.. جهز نفسه وبكل شجاعة للخروج والبحث داخل تلك السفينة وما تحضنه من مفاجآت، ارتدى أفضل الملابس.. أقفل باب غرفة.. التفت يمنة ويسرة.. وسلك طريقاً لا يعرف إلى أين يؤدي.. وجد أحد العاملين، وسألهم عن موقع المطعم الإيطالي.. انطلق وكله أمل في مشاهدة صاحبة الابتسامة، وما أن فتح باب ذلك المطعم حتى سرقت أحاسيسه معدته تلك الرائحة الزكية.. وفي زاوية بعيدة عن أعين الناس جلس.. وعيناه تلفان يمنة ويسرة باحثا عن صاحبة تلك الابتسامة.
قدم له النادل قائمة الطلبات الموجودة في ذلك الوقت.. لكنه قال مقاطعا: أريد (تباسكو) استغرب النادل من ذلك الطلب!! وكما هو معروف بأن ذلك الطلب عبارة عن نوع من المقبلات التي تستعمل أثناء الأكل ك(الشطة)، وليس من المعقول أن يدخل شخص لمطعم وأن يطلب ذلك الطلب لوحده ومن غير أن يأكل! أعاد عليه السؤال كي يتأكد من طلبه لكن يزيد أجابه وقال: أعتقد بأن طلبي واضح، اضطر النادل وبعد مداولات مع زملائه أن يقدم له طلبه.. مدير المطعم ومن بعيد ينظر لذلك الشخص الغريب في طلبه بعد أن أخبره من قبل العاملون.. قدم النادل ليزيد طلبه.. زجاجة - التباسكو - الألمانية الصنع.. وهو يقول: لكم سيدي طلبكم. أحس يزيد بأن هناك سوء فهم في طلبه، وأن هناك خطأ وقع فيه حيث تشابهت عليه الأسماء، عندها نظر للنادل وضحك متعذرا وهو يقول: أعتقد بأنني مخطئ في طلبي وأن هناك تشابه في الأسماء. ولكنني في الواقع أريد (سباكتي) وبحكم ندرة استخدامي لها حدث معي سوء فهم عند الطلب، وما أن سمع مدير المطعم (العربي) لذلك الكلام وهو ينظر من بعيد لما يجري، حتى أقبل عليه وهو يصفق بيديه.. ويقول له وبلهجة العربية الشامية.. لقد نجحت صديقي في تسجيل أغرب طلب بداخل ذلك المطعم الأوروبي. وأنه ولأول مرة منذ أن تم الإعلان عن وجود جائزة لأغرب طلب منذ خمس سنوات، فأنت أول شخص يحصل عليها منذ وضعها.. وعليك الآن تسجيل تلك الأوراق المطلوبة لتسليمك تلك الجائزة في وقتها بعدها أخبره مدير المطعم بأن الحوار الذي تم معه ومنذ دخوله لذلك المطعم مسجل بالفيديو وسوف يعرض داخل السفينة قبل تسليمه الجائزة بأيام، فهل لديه مانع من عرضه داخل السفينة.. وأجابه بأنه لا يوجد لديه مانع. قدم له طلبه وأكله بشغف، وعينه تلف يمنة ويسرة باحثة عن تلك الكاميرا ولكن من غير جدوى. خرج من ذلك المطعم وعقله وقلبه مع صاحبة تلك الابتسامة التي لم يجدها داخل ذلك المطعم، وسأل نفسه: أين سأجدها؟.. مرت الأيام وهو يبحث فقد زار جميع الأماكن داخل تلك السفينة، حتى فقد الأمل في العثور عليها، بل أصبح معروفاً لدى جميع العاملين داخل تلك السفينة أثناء تجوله.. لخفة دمه وبساطته في توضيح الأمور.. وخاصة بعد نشر صوره من قبل ذلك المطعم في حصوله على أغرب طلب. تمت زيارة تلك الجزيرة التي هي أساس الرحلة.. وقضى يزيد أوقات ممتعة بسحر وجمال تلك الجزيرة من مناظر جميلة وخلابة.
وأثناء الرجوع، وقبل الوصول بيومين، تم الإعلان بأنه سيقام حفل وداعي لجميع المسافرين وسيتم خلاله توزيع العديد من الجوائز على متن السفينة، وكان يزيد من ضمن المدعوين لاستلام جائزته من قبل مدير المطعم.. وأثناء مراسم الحفل ومن غير موعد ظهرت ليزيد صاحبة تلك الابتسامة التي جعلته ينسى كل همومه وأن يقضي أوقات جميلة وممتعة داخل تلك السفينة والتمتع بالرحلة.. ولكن من تكون.. إنها زوجة مدير ذلك المطعم الإيطالي، وستقوم بتسليمه جائزته في ذلك الوقت نيابة عن زوجها.. استلم جائزته من يدها وهو يقول لنفسه.. نعم تستحقين منصبك.. والعين ما تعلى على الحاجب.. وأشكر الله على زيارتك لي.. في ذلك الوقت العصيب وتقديمك لي تلك الأوراق، ولكان حالي الله أعلم بها في داخل تلك السفينة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved