الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، ولأن كل مريض يتطلع إلى الشفاء السريع والتخلص من آلام المرض والتنعم بتاج الصحة، فإنه على استعداد دائم لبذل الغالي والرخيص لمن يدله على طريق الشفاء من أقصر طريق. ولأن مهنة الطب هي وسيلة وسبب لحصول الشفاء المأمول بإذن الله، اكتسبت هذه المهنة عبر التاريخ احتراماً وسمواً جديرين بها كل من يسعى مخلصاً لتخفيف آلام إنسان.. لكن مما يؤسف له حقاً أن تتحول هذه المهنة المحترمة إلى تجارة بشعة بمعاناة المرضى، تبيع لهم وهم الشفاء السريع مقابل الحصول على مبالغ طائلة ربما لا يستطيع دفعها كثيرون ممن ابتلوا بالمرض. هذه التجارة أصبح لها دكاكين تسمى المراكز الطبية أو مستوصفات، وهي دكاكين تطلق على المريض وصف (زبون) وليس مراجع لذا تجد إعلاناتها تطارد الأبصار وتحاصر العيون بكلمات براقة وصور جذابة ولا مانع من استخدام بعض المفردات باللغة الإنجليزية أو الفرنسية لزيادة فرص استقطاب عدد أكبر من هؤلاء الزبائن، أقصد (المرضى)، وبالتالي الحصول على مكاسب مالية أكبر. والمثير للألم حقاً أن هذه الدكاكين الطبية لا تتورع عن ممارسة كل أشكال الكذب لتحقيق هدفها التجاري، ولا مانع لديها من الادعاء بأن الشفاء من مرض كذا لا يستغرق أكثر من يوم واحد وأن الجراحة الفلانية تتم في دقائق معدودة وبعدها بدقائق أخرى يستطيع المريض ممارسة رياضة كرة القدم بل وربما المصارعة، في تجرؤ قبيح ينافي كل الحقائق المتعارف عليها في علاج هذا المرض أو ذاك وما يستلزمه من إجراءات عناية أو فترات نقاهة ومتابعة. ولأن الغريق - كما يقال - يتعلق بقشة، تنجح هذه الإعلانات الكاذبة في اصطياد المرضى الضحايا المتلفهين للشفاء، وابتزاز أموالهم، فضلاً عن المخاطر الطبية الجسيمة التي قد يتعرضون لها، داخل هذه الدكاكين التي تفتقر في معظم الأحيان إلى أبسط مقومات وإمكانات ممارسة مهنة الطب، والعاملون بها في الغالب أقرب إلى التجار منهم إلى الأطباء، وما أكثر القصص المأساوية التي يرويها ضحايا هذه المراكز ممن تعرضوا للابتزاز دون أن يتحقق لهم الشفاء، والأدهى والأمر إنهم لا يعرفون لمن يتجهون بالشكوى بعد الله - جل وعلا - لإيقاف هذا النوع من التجارة الخبيثة بصحة الناس، ولو حدث وتقدم أحد هؤلاء المرضى الذين تعرضوا للخداع والابتزاز بمظلمة للجهات المعنية، فإنه يصعب عليه إثبات ما تعرض له، فما أكثر التبريرات والتقارير التي يمكن تقديمها لإثبات أن المريض حدثت له مضاعفات أو أصيب بمرض آخر بعد الشفاء أو حدثت له انتكاسة بسبب سوء تصرفه من دون أدنى مسؤولية على الطبيب المعالج أو المركز الطبي الذي عولج فيه، أو يقدمون للمريض أوراقاً تتضمن أنه اطلع على كافة تفاصيل العملية ومحاذيرها ومخاطرها، ويطلب منه التوقيع عليها ويبسطون له أمر التوقيع، وأن هذه الورقة لا تعني شيئاً، فإذا حدث أمر رفعت في وجهه أمام الجهات المعنية. كل ذلك ووزارة الصحة - وهي الجهة المسؤولة عن (صحة أبناء الوطن) ومسؤوليتها أكبر في متابعة مراكز الوهم أو الدكاكين - لا تعلم شيئاً عن مثل هذه التجاوزات على الرغم من أن إعلانات (دكاكين الوهم) هذه تملأ الصحف والشوارع، وعلى الرغم من أن هذه الإعلانات الكاذبة ذاتها تخالف في محتواها القواعد الطبية المتعارف عليها، أو تعلم ولكن لا تبالي بالأمر، وذلك بسبب ضعف أو انعدام الرقابة على عمل هذه المراكز، ومستوى الأطباء العاملين بها، والتجهيزات الطبية اللازمة لممارسة مهنة الطب. ولكن يبدو أن وزارة الصحة نفسها انخدعت ببريق إعلانات (دكاكين الطب) بل وربما ذهب أحد منسوبيها إليها طلباً للشفاء السريع، علهم يكتشفون حجم الخطر قبل أن يتفاقم ويتسبب في سقوط وابتزاز مزيد من الضحايا!! وهذه نذر الخطر بادية فهل من مجيب؟.
|