نص: سامية نعيم صنبر لم تكن (فزاعة الطيور) تخيف العصافير فقط، بل إن الطيور والحيوانات في البستان والحقول المجاورة كانت تعيش كلها في فزع من منظرها المخيف. الأيام السعيدة والليالي المرحة التي عاشتها الطيور والحيوانات في الصيف انتهت، عندما انتصبت في وسطهم هذه (الفزَّاعة) تبعث الرعب في كل القلوب. لو لم تكن أشعة الشمس تنزلق كل صباح فوق جفون هؤلاء الخائفين، لفضلوا جميعاً أن يبقوا نائمين، حتى لا يروا أبداً تلك (الفزَّاعة). سكنت الطيور بعيداً في أعالي الشجر، تتطلع من أعشاشها في خوف. الكلاب لم تستطع أن تلعب قرب النهر كعادتها، أو أن تجري نافضة الماء عن جسدها. كل الحيوانات أصبحت تتجنب المرور قرب (الفزَّاعة)، أو الاقتراب من ظلها المخيف. خلا البستان والغابة من الحياة، حتى حقول القمح الذهبية ألقت عليها (الفزَّاعة) ظِلاً أسود من الخوف والكآبة. كانت الحيوانات والطيور تلتقي سراً لكي تفكر في أمر هذا الكابوس الذي حل بحياتها. إن أحداً منها لا يعرف من هي تلك الواقفة في قلب البستان، ولا متى تأكل أو تنام، إنها دائماً في مكانها، تنشر ذراعيها وظلِّها فوق البستان والحقول، وتبعث الرعب في قلوب الجميع. تمنَّوا لو أن بينهم أسداً شجاعاً ينقض على (الفزَّاعة) ويخلصهم منها، لكنَّ الثعلب - مع أنه كان خائفاً منها هو الآخر - تقدم قائلاً: - (قد نستطيع بالحيلة أن نفعل مالا يقدر عليه أسد!). انتظرت الحيوانات والطيور حتى جاء يوم هبَّت فيه العواصف، وسقطت فيه الأمطار، وقالت للثعلب: - (هذا يومك! لابد أن العواصف والأمطار قد أنهكت (الفزَّاعة) فلتذهب أنت وتقترب منها، ولتعرف لنا من هي، وكيف نهاجمها). غالب الثعلب خوفه، وسار حذراً متردداً حتى اقترب من (الفزَّاعة). عندما لمحها اختفى بسرعة بين الشجيرات، يراها ويظن أنها لا تراه. لم تتحرك (الفزَّاعة)، وظل الثعلب في مكمنه مرتعداً خائفاً. مرَّت عليه لحظات كأنها دهر، انطلق بعدها عائداً يجري إلى زملائه. التقط الثعلب أنفاسه، ثم اعترف للجميع بأنه لم يعرف عن حقيقتها شيئاً. ولكي يبدو أمامهم شجاعاً وحكيماً، أكمل قائلاً: - (ولكنها تبدو الآن عجوزاً. لقد شاخت وتهدَّل ذراعاها!). لم يطمئن حديث الثعلب قلوبهم، وظلت (الفزَّاعة) تخيفهم وهي عجوز، كما كانت تخيفهم وهي شابة، واستمرت حياتهم كما كانت: خوفاً وفزعاً دائمين. في ذات يوم، وبينما كانت الطيور والحيوانات جميعاً تراقب (الفزَّاعة) من بعيد، وتتحسر على أيام الفرح والمرح التي قضى عليها هذا الكابوس، دخلت البستان (فزَّاعة) ثانية، وفي يدها حقيبة كبيرة، وهي تمشي مسرعة في اتجاه (الفزَّاعة) القديمة!. تقدمت (الفزَّاعة) التي تحمل الحقيبة، واقتلعت الأولى، وتركتها تسقط من يدها خامدة على الأرض. كانت (الفزَّاعة) الجديدة - في الحقيقة - هي صاحب البستان، جاء ليصلح ما أحدثته الريح والعواصف (بفزَّاعة الطيور). بدأ الرجل يعيد وضع الفزَّاعة في مكانها، ويملأ رأسها بالقش، ويرتب الثياب الجديدة على ذراعيها، ويضع لها قبعة جديدة. ظلت الطيور والحيوانات جميعها تراقب ما يحدث وهي مندهشة ومحتبسة الأنفاس، وقد زال من قلوبها كل الخوف والفزع الذي عاشت فيه. وما إن انصرف صاحب البستان، حتى انطلقت كل الطيور والحيوانات تمرح وتجري، وتدور حول (الفزَّاعة) ساخرة ضاحكة، بل إن أحد العصافير بدأ يبني عشه فوق قبعة (الفزَّاعة).!
|