أول ما نزل من القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ).. والقراءة دعوة للمعرفة، والمعرفة والبحث عن الحقيقة هدف البحث العلمي. كما نعلم فلقد امتدت رسالة الإسلام من حدود الهند والصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن الأندلس وفرنسا شمالاً إلى أواسط أفريقيا جنوباً، وانتشرت المعرفة والعلوم الإسلامية وأصبحت الأساس الذي بنيت عليه النهضة الأوروبية فيما بعد. ولقد قدم علماء الإسلام إسهامات مختلفة في فروع المعرفة ظهرت في الآثار العلمية والأدبية (الرياضيات - العلوم التطبيقية - العلوم الاجتماعية) ففي مجال الرياضيات يمكن القول إنه لولا مساهمات علماء المسلمين لتأخرت النهضة العلمية والإنسانية قروناً عديدة، فقد حفظ التاريخ ان هؤلاء العلماء اهتموا وأسهموا في العلوم الرياضية، وأضافوا إليها وهذبوها عن طريق إضافة الإحصاء العشري وإضافة علامة الكسور العشرية، وكان كتاب الخوارزمي مرجعاً لعلماء الغرب يعتمدون عليه في بحوثهم ونظرياتهم، حيث أحدث الخوارزمي تطوراً كبيراً في عالمي الحساب والجبر. أما في مجال العلوم التطبيقية فقد أسهم علماء الإسلام في علوم الفلك والهندسة، فقد أضافوا تصحيحات للنظريات اليونانية في علم الفلك مما جعله علماً استقرائياً. ولقد أبرز المنصفون من المؤرخين مدى الموضوعية والمنهجية التي اعتمد عليها علماء الإسلام، حيث أثبتوا أن الطريقة العلمية الحديثة والتي يعتقد علماء الغرب انها من وضع العالم الإنجليزي (بيكون) وجدت كاملة في البحوث العلمية عند مفكري الإسلام. ولقد صنف علماء الإسلام مثل الفارابي في كتابه (احياء العلوم) أنواع الفلسفة من خلال رسم حدود كل نوع وجعلها فلسفة نظرية وفلسفة علمية، كما أشار جابر بن حيان إلى العلوم الدينية والدنيوية واعتبروا الكيمياء من العلوم السبعة كالطب والطبيعة والخواص.. الخ، كما ان ابن سينا اعتبر المنطق لكسب الحكمة النظرية والحكمة العلمية، الأمر الذي يعني أن تصنيف العلوم لدى الباحثين والمفكرين الإسلاميين الذي بدأ من الفارابي وإلى يومنا هذا إنما يعكس المعرفة الإنسانية بفروعها المختلفة، وكما يقال فإن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لارسطو في المنطق. وفي الطب نجد الرازي وابن سينا وابن رشد والزهراوي وابن العباسي وابن البيطار الذي وضع كتابا جديدا في علم النبات فضلاً عن أسماء لامعة في علم الطبيعة كابن الرياني والبيروني. وقد ثبت من الدراسات المقارنة للمنهج العلمي الحديث الذي سار عليه علماء المسلمين في مجال علوم الطبيعة والكون ان المنهج العلمي الحديث وأسلوب التفكير المنطقي قد توافر لدى علماء المسلمين في بحوثهم واكتشافاتهم في مجال الطب والكيمياء والصيدلة وعلوم الكون وبقية فروع العلم التطبيقي. وفي مجال العلوم الاجتماعية فإن مساهمات علماء المسلمين في هذا المجال لا تقل عنها في مجال العلم التطبيقي، فقد ارتقى القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم باللغة وفنونها وآدابها، كما ان لعلماء المسلمين فضلهم على علم الجغرافيا، ومن أعلام الجغرافيين المقديسي والإدريسي والبلخي والهمذاني وغيرهم، وهم الذين حددوا بمعارفهم الفلكية مواقع الاماكن تحديداً دقيقاً على الخرائط، أما في مجال التاريخ والاجتماع فقد برزت أسماء لامعة أسهمت في تطوير الكتابة التاريخية، ويعتبر القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة مصدراً مهماً للمادة التاريخية؛ فقد انفرد القرآن الكريم بذكر أخبار بعض الأمم البائدة مثل عاد وثمود والتي أثبتت الاكتشافات الأثرية عن وجودهم في شمال الحجاز واليمن. وقد بذل المؤرخون المسلمون جهوداً ملموسة في تقصي مدى تأثير العلم والمعرفة. وكل هذا يشير إلى اهتمام المسلمين علماء وباحثين بمناهج البحث العلمي وكتابته، فلا غرابة أن يحاول المسلمون المعاصرون أن تكون بحوثهم ودراساتهم متماشية مع مناهج البحث العلمي الحديث وأساليبه حتى يستعيدوا مكانتهم العلمية والحضارية.
|