من المتعارف عليه في علم النفس اختلاف القدرات الشخصية بين الأفراد، فالبعض منهم يتمتع بالعديد من المهارات والقدرات التي تساعده في تحقيق أهدافه التي يصبو إليها خلاف البعض الآخر الذي لا يمتلكها، وتلك الاختلافات مردها إلى عوامل عديدة بيولوجية، بيئية، فضلاً عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأسرية للفرد. ويمكن للمهارات والقدرات أن تلعب أدواراً مهمة في حياة الفرد، والتي منها على سبيل المثال: في مجال التعليم، حيث تختلف المهارات التي يتمتع بها الأفرد في تحصيلهم العلمي، فبعض الطلاب يتمتع بقدرات عالية في تحصيله الدراسي خلاف البعض الآخر الذي يعاني من قصور في استيعاب الدروس، لذا فهم يحتاجون إلى دروس خصوصية لتعويض النقص في الاستيعاب والفهم، فالمدرس الخصوصي - كما يعتقدون - قادر على مساعدتهم في فهم دروسهم وإنجاحهم، ونتيجة لذلك نشأت ظاهرة الدروس الخصوصية باعتبارها الوسيلة التي تساعد الطالب في تقوية نقاط الضعف لديه في المواد التي يواجه فيها صعوبات معينة. ولكن مع الأسف أصبحت تلك الظاهرة وسيلة يمكن عن طريقها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دونما ضابط أو قيد، لدرجة أن أصبحت إعلانات المدرسين الخصوصيين من المظاهر المألوفة عند إشارات المرور أو على واجهات المحلات والمكتبات ومراكز خدمات الطالب وفي كل مكان، الأمر الذي يلزم معه تدخل الجهات المعنية وخصوصاً وزارة التربية والتعليم للحد من هذه الظاهرة والبحث عن مدى نظاميتها. ومن المعلوم أن هناك ضوابط معينة صدرت من الوزارة بخصوص إعطاء دروس التقوية للطلبة المتأخرين دراسياً، وهذه الضوابط إن تم تفعيلها على النحو السليم والمحقق للغرض منها فإنها بلا شك ستساهم في الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية التي تحتاج إلى مزيد من التحليل والتمحيص للكشف عن الأسباب التي أدت إلى استفحالها ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها. ولست هنا بصدد البحث عن الأسباب التي ساعدت على تفاقم هذه الظاهرة، إنما سوف يكون عن مدى نظامية الدروس الخصوصية. الكل يعلم أن المتعاقدين هم الفئة الأكثر استفادة من هذه الظاهرة حتى قيل إن عدداً منهم يحضر إلى المملكة في فترة الامتحانات لتحقيق المكاسب المادية من إعطاء الدروس الخصوصية ثم العودة حالما تنتهي فترة الامتحانات. وليس هذا فحسب، بل إن الطالب إذا احتاج إلى مدرس خصوصي، فإنه يلزمه التنسيق معه مبكراً قبل حلول فترة الامتحانات وهي فترة يصعب فيها العثور على المدرس الخصوصي لكثرة ارتباطاته مع الطلبة حتى إلى وقت متأخر من الليل. وكما نعلم جميعاً فإن إعطاء الدروس الخصوصية مخالفة صريحة لنظام الخدمة المدنية وبالتحديد المادة (14) من نظام الخدمة المدنية التي نصت على (لا يجوز للموظف الجمع بين وظيفته وممارسة مهنة أخرى)؛ لأن المدرس الخصوصي عندما يمارس هذه المهنة أياً كان سعودياً أو متعاقداً فإنه يجمع بينها وبين وظيفته الأصلية المتعاقد عليها مع وزارة التربية والتعليم الأمر الذي يستلزم معه مجازاته عنها وفقاً لنص المادة (32) من نظام تأديب الموظفين. وللرغبة في الحد من استفحال هذه الظاهرة تم التعديل على المادة (17) من عقود توظيف غير السعوديين الملحق بلائحة توظيف غير السعوديين في الوظائف العامة الصادرة بقرار مجلس الخدمة المدنية رقم 45 في 1-8-1398هـ بإضافة عبارة (أو ثبت إعطاؤه دروساً خصوصية أو قام ببيع الأسئلة أو تسريبها) إلى النص بحيث يكون (إذا انتهت خدمة المتعاقد بسبب الانقطاع عن العمل أو فصله بقرار من مجلس المحاكمة أو إدانته جنائياً أو ثبت إعطاؤه دروساً خصوصية أو قام ببيع الأسئلة أو تسريبها لأي غرض سقط حقه في التعويض عن مدة الإجازة وفي مكافأة نهاية الخدمة). وهذأ معناه أن إعطاء الدروس الخصوصية مخالفة لواجبات الوظيفة يؤدي إلى إنهاء عقد المتعاقد. أما بخصوص المعلمين السعوديين فلم تتطرق لهم المادة السابقة، لأن المدرس السعودي من وجهة نظري ليس بالضرورة يعطي دروساً خصوصية ولكن إذا ثبت هذا فإن ذلك يعتبر مخالفة لواجبات الوظيفة وفقاً لنص المادة (14) من نظام الخدمة المدنية يستلزم مجازاته عنها وفقاً لنص المادة (32) من نظام تأديب الموظفين. وفيما يلي بعض المقترحات التي تساعد في التغلّب على هذه الظاهرة: 1 - يجب على الأسرة متابعة أبنائها طيلة العام الدراسي، للتأكد من أن العملية الدراسية تسير على خير ما يرام، فالتواصل بين الأسرة والمدرسة سيساعد ولي الأمر على معرفة نقاط الضعف والقوة لدى أبنائه، ومن ثم يستطيع تدارك أي خلل في تحصيلهم العلمي مبكراً. 2 - ينبغي تفعيل دور مراكز الخدمات التربوية والتعليمية على النحو السليم والمحقق للأهداف المرجو منها، ويشمل ذلك حسن اختيار القائمين عليها (مدير المركز، المرشد الطلابي، المعلمون) واختيار الأماكن المناسبة والتجهيزات اللازمة لذلك. وعلى حد علمي، أن نظام الدراسة في المركز يسمح بتخصيص معلِّم لكل طالب في المركز، أو أنه يمكن للطالب - إذا أراد - أن يخصص له معلم في المنزل. 3 - زيادة التثقيف والوعي لدى الطلاب بأهمية البحث عن الوسائل الأخرى غير الدروس الخصوصية مثل شراء الكتب المدرسية التي تبسِّط شرح المادة العلمية والمتوافرة في أغلب المكتبات أو استخدام الحاسب الآلي في المجالات ذات العلاقة. 4 - التنسيق بين وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام على استئناف تقديم البرامج التعليمية على شاشة التلفزيون في الوقت المناسب للطلبة، لكي تحقق الفائدة المرجوة منها، ويجب التركيز فيها على المواد العلمية لجميع الأعمار والمستويات. 5 - ينبغي على إدارات التعليم الوقوف على مستوى وقدرة المعلم على التدريس ونقل المعلومة إلى الطلبة على النحو الصحيح والمبسّط، وذلك من خلال الجولات التفتيشية للمشرفين التربويين على المدارس والتقارير التي يعدونها لهذا الغرض. ويمكن أيضاً لمدير المدرسة متابعة معلميه للتأكد من أدائهم لعملهم على خير وجه ومحاسبة المقصِّر منهم. 6 - استخدام الأساليب الحديثة في تنمية قدرة الطالب على التحليل والاستنباط والفهم بدلاً من الأساليب القديمة التي تعتمد على التلقين والحفظ.
|