كان عنوان مقالتي في الأسبوع الماضي : ( هل نجحت أمريكا في العراق) والمتبادر إلى أذهان كثير من القراء الكرام - بطبيعة الحال - أن تكون الاجابة عن هذا السؤال مركزة على ما قامت به الدولة الأمريكية، وما واجهته وحققته، منذ أن شنت هجومها على العراق، واحتلت هذا الوطن العربي المسلم. لكن لأن ذلك الهجوم وهذا الاحتلال كانا حلقتين في سلسلة من علاقة تلك الدولة المهاجمة المحتلة بمنطقتنا العربية - والعراق ركن أساسي فيها - فإني استحسنت اعطاء خلفية تاريخية موجزة جداً عن تلك العلاقة قبل الهجوم والاحتلال المذكورين. وكان مما أشرت اليه في تلك الخلفية التاريخية الموجزة - وهو ذو صلة وثيقة بما جرى للعراق من أمريكا وما يجري فوق أرضه الآن من أعمالها - مشروع كيسنجر - وزير الخارجية الأمريكية الداهية المشهور، الذي يرمي إلى تفتيت المنطقة العربية إلى كتل، أو دويلات، طائفية وعرقية، تحقيقاً لمصلحة أمريكا ومصلحة حليفها الكيان الصهيوني، وهما مصلحتان لا تنفك احداهما عن الأخرى، وان كان المستفيد الأول هو ذلك الكيان. ومما أشرت اليه، أيضاً، ما حدث من تحطيم لقوة العراق العسكرية والقضاء على كثير من بنيته الأساسية المدنية، خلال عمليات تحرير الكويت من احتلال جيش صدام، سنة 1991م، وما أعقب تلك العمليات حتى حان الوقت الذي رأت أمريكا انه مناسب لاحتلال العراق. وهذا الاحتلال نفت شرعيته الأمم المتحدة، التي لأمريكا النفوذ الأكبر فيها، ناهيك عن كثير من دول العالم الأخرى، شرقه وغربه. بعد أن نشرت مقالتي تلك قال لي صاحب عزيز لدي وهو يحاورني: إني اتفق معك في كل ما ذكرته في المقالة، لكن ليس كل ما تحقق في العراق هو نجاح لأمريكا بكل المقاييس السياسية والاقتصادية. بل إن هناك محطات فشل أكثرها ضررا على السياسة الأمريكية.. ومن تلك المحطات المعارضة الواسعة لما انتهجته تلك السياسة ليس في المحيط العربي والإسلامي فحسب، بل في كثير من دول العالم. قلت لصاحبي العزيز: قد تبدو الأمور كما تفضلت به عند النظرة الأولى، أو يبدو أنه يجب أن تكون كذلك، وبخاصة أن هجوم امريكا على العراق واحتلالها لأراضيه غير شرعيين. بل إن هناك من يقولون: ان أمريكا قد تورطت في العراق، وانها تبحث عن مخرج من الورطة التي وقعت فيها، لكن المتأمل في سير الأحداث ربما تكونت لديه نظرة أخرى. لننظر إلى أمتنا العربية المغلوبة على أمرها، قادة وشعوبا. قلة من قادة هذه الأمة فاهوا علناً بمعارضتهم لمهاجمة أمريكا العراق واحتلالها، وهذه الدولة الكبرى تعلم - من شبه المؤكد - حقيقة ما فاهوا به، كما تعلم محدودية تأثيره حتى إن كان صادقا. وبعض القادة لم يتجرأوا على أن يفوهوا بما فاه به أولئك. أما البعض الآخر فلم يكتفوا بالسكوت، بل تعاونوا مع الدولة المهاجمة المعتدية، معنوياً، أو مادياً، أو معنوياً ومادياً معاً. ولا حاجة لايضاح أكثر، فكثير من القراء الكرام يعرفون تفصيلات ذلك أكثر من معرفة كاتب هذه السطور. والمحصلة النهائية أن أمريكا وثقت كل الثقة بأن معارضة ذات أثر من القادة العرب لم تحدث ولن تحدث. أما الشعوب العربية فربما كانت أكثريتها معارضة لما قامت، وتقوم، به أمريكا تجاه العراق، لكن تلك المعارضة لم يبد منها أي فعل ايجابي يمكن أن يساعد من لديهم نية حسنة من قادة الأمة على اتخاذ مواقف يمكن أن تحسب لها أمريكا اي حساب. لقد كتب كتاب كثيرون معربين عن تلك المعارضة بأساليب مختلفة، قوة وضعفاً، وحدة ومرونة. وبينوا ما رأوه آيات كوارث مستقبلية، ونذر نكبات خطيرة مترتبة على احتلال قطر عربي مسلم بالحجة نفسها التي أبدتها بريطانيا عند احتلالها له قبل أكثر من ثمانين عاما، (وهي تحريره)، لكن هل تغني الآيات والنذر لقوم مدجَّنين سادرين؟ ولننظر إلى أمتنا الإسلامية غير العربية، قادة وشعوباً. من قادتها من اعربوا عن معارضتهم لهجوم أمريكا على العراق واحتلالها لأراضيه. ومن المرجح أنهم كانوا صادقين، بدرجة كبيرة، في ذلك الإعراب، ومن أدلة ذلك عدم تعاونهم مع المهاجم المحتل بالرغم من وجود ارتباطات عسكرية معه، وهذا مما يحمد لأولئك القادة ويشكر. ومن قادة الأمة الإسلامية من اعلنوا معارضتهم للهجوم والاحتلال. لكن ما أعلنوه شيء وما حدث منهم شيء آخر، ومن ذلك أن من مسؤوليهم من قال إن أمريكا تعلم علم اليقين أنه لولا مساعدتنا لها لما تمكنت من احتلال افغانستان. وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة لافغانستان فان من المعلوم أن فئات ممن تعاونوا مع الدولة الأمريكية المحتلة للعراق قبل هذا الاحتلال وبعده كانت متخذة من أراضي أولئك المسؤولين مكاناً لها، وان ميليشياتها دخلت العراق بعد احتلاله برضائه. وهذا مما يدل على وجود تعاون بين الطرفين: المحتل ومن أعلن مجرد إعلان بأنه ضد الاحتلال، كما يدل على نية ذلك المحتل المبيتة لخلق صراع طائفي في العراق بعد أن نجح في تشجيعه لما كان قد ظهر من نزعة عرقية. وكل من هذا وذاك يخدم مصالحه وينسجم انسجاماً تاماً مع مشروع كيسنجر الهادف إلى تفتيت المنطقة طائفياً وعرقيا. ولننظر إلى الدول الأخرى غير العربية وغير الإسلامية. هناك دول ذات مكانة دولية رفيعة عارضت، في بداية الأمر، الهجوم الأمريكي على العراق. بل إن من قادتها من كانوا أكثر حماسة في تلك المعارضة من الدول العربية نفسها بغض النظر عن أسباب معارضتهم. لكن هذه المعارضة ضعفت مع مرور الأيام، ثم تلاشت مع فرض الواقع نفسه على سير الأحداث. ومن أولئك القادة من دُهنت خشومهم بالسكوت عما ترتكبه دولهم من جرائم بحق طائفة من المسلمين، أو بالتعاون معهم لتحقيق هدف من أهدافهم في بلد من البلدان الإسلامية. ولعل مما يلفت النظر أن شعبي الدولتين اللتين تزعمتا العدوان على العراق واحتلال أراضيه: أمريكا وبريطانيا، قد أعادا انتخاب زعيميهما: بوش وبلير، بالرغم من اتضاح كذبهما عليهما وعلى العالم في اعطاء مبررات ذلك الهجوم وهذا الاحتلال. وهكذا يتبين أن المعارضة للسياسة الأمريكية المنتهجة، واسعة أو غير واسعة، لم تؤثر التأثير الذي يحسب له حساب على أرض الواقع، سواء كانت تلك المعارضة عربية، أو إسلامية، أو غير عربية إسلامية. أما ما يقال عن ورطة أمريكا في العراق فإنه يمكن القول، إنها لم تستقبل في العراق بالورود كما زين لها من زين، باعوا وطنهم في سبيل مصالحهم الشخصية، لكن من يقارن بين خسائرها البشرية والمادية وخسائر العراق نتيجة عدوانها واحتلالها له - بشرياً ومادياً وتراثاً، يجد أنها نجحت في كثير مما ترمي اليه. وقال لي صاحب عزيز آخر وهو يحاورني: ربما كنت أوضحت في مقالتك السابقة ما حققته أمريكا من نجاح عسكري في هجومها على العراق، وما تلا ذلك الهجوم من احتلال، وترتب عليه من حل للجيش العراقي، وأجهزة الأمن، ونهب لمؤسساته وتراثه، سواء على أيدي المحتلين وحلفائهم من الصهاينة الذين عاثوا في بلاد الرافدين فساداً. أو على أيدي العصابات التي تركت لها قوات الاحتلال الحبل على الغارب، بل إن وزير الدفاع الأمريكي لما سئل، في الأيام الأولى من الاحتلال، عما كان يجري من نهب قال: إنهم، أي الذين ينهبون، يشعرون الآن بالحرية. لكن - كما يقول الصاحب العزيز المحاور - ماذا عن نجاح امريكا في جعلها من العراق المحتل أنموذجاً يحتذى لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تنادي به. والاجابة عن هذا السؤال من عناصرها ما ذكر في المقالة السابقة. إن من يقرأ تاريخ علاقات امريكا بغيرها من الدول، وبخاصة الدول المسماة بالنامية، إسلامية وغير إسلامية، يجد انها كثيراً ما تآمرت على حكومات منتخبة انتخاباً حراً نزيها، وأطاحت بها، لتحل محلها انظمة عسكرية دكتاتورية. وكثير من القراء الكرام يعرفون أمثلة متعددة لمواقفها تلك. وهي تعلم أنه لو أجريت انتخابات حرة في العالم الإسلامي بالذات لتولي مقاليد الأمور في بلدانه حكومات لا ترضى بمواقف أمريكا الداعمة دعماً غير محدود للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين العزيزة لدى كل مسلم وعربي. ومن المحتمل أن تتخذ تلك الحكومات المنتخبة مواقف حازمة تجاه ذلك الدعم المعبِّر أوضح تعبير عن عداء سافر لامتنا العربية وعالمنا الإسلامي. ومن المتوقع دائماً أن تختلف الآراء حول القضايا السياسية المطروحة للنقاش، لكني من أولئك الذين يصعب عليهم أن يتصوروا حدوث انتخابات نزيهة في بلد يوجد فوق أرضه قوات محتلة يصل عددها إلى أكثر من مئة وثلاثين ألفاً - بكل ما يملكون من أسلحة وعتاد - تابعة لدولة لم تعد كبرياؤها تراعي احداً. وارجو أن يكون فيما كتبته، هنا شيء يساعد على إيضاح الإجابة عن السؤال المطروح. وبالله التوفيق.
|