Monday 6th June,200511939العددالأثنين 29 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الحبر الأخضرالحبر الأخضر
المرأة في دائرة الصراع الفكري العالمي
د. عثمان بن صالح العامر

تشير كل القرائن والإرهاصات على الساحة الداخلية والخارجية إلى أن قضايا المرأة المعاصرة تطرح نفسها بقوة حتى أصبحت تمثل اليوم أحد هواجس التفكير والكتابة المؤدلجة الرئيسة عبر صفحات الصحف ومن خلال التأليف وعبر وسائل الإعلام المختلفة. وما إثارة قضية قيادة المرأة السعودية للسيارة والمطالبة بطرحها تحت قبة مجلس الشورى السعودي إلا مجرد محاولة جادة لمعرفة مدى المناعة لدى المجتمع في طرح مثل هذه القضايا التي قد يكون الحوار حولها مقبولاً شرعاً مرفوضاً مصلحة وعرفاً. كما تشير التجارب والدلائل إلى أن الرؤية الصحيحة لهذه القضايا إن لم ترسخ في ذهنيات أفراد المجتمع الإسلامي واتجاهاتهم وثقافتهم عن طريق الإقناع العقلي المبني على الدليل الصحيح فسوف تؤثر الأطروحات الفكرية الأخرى مع مرور الأيام تأثيراً سلبياً في منظومة الفكر والقيم والسلوك المجتمعي.
وتتبدَّى القرائن التي تُشير إلى محورية قضايا المرأة في عالمنا المعاصر على ساحات ثلاث، أهمها ساحة الفكر العالمي؛ إذ تشهد هذه الساحة صراعاً فكرياً وقانونياً حول وضع المرأة ودورها في المجتمع كمحصلة طبيعية للتغيير المتلاحق في بنية العلاقات الاجتماعية بفعل التحولات الجذرية التي يتعرض لها المجتمع الإنساني نتيجة للتطورات العلمية والصناعية والثقافية من جهة، وعلاقة قضايا المرأة بموروث فكري مفتوح الأبواب على مرجعيات عقدية متعددة من جهة أخرى.
وتتمثل أطراف الصراع في رؤى وأنساق فكرية - حول قضايا المرأة - ساهم في تشكيلها ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية ومعتقدات دينية لها جذور في مجتمعات معينة وامتدادات إلى مجتمعات أخرى بحكم تكنولوجيا الاتصال بالغة التقدُّم.
ويؤكد هذا الصراع ذلك الجدل الدائر في أوساط الفكر حول المرأة وقضاياها بين الرؤى التي تتسيَّد وتهيمن عالمياً بما يتاح لها من إمكانات وقوى مساندة تترجمها إلى قوانين تنظم الحياة الرسمية بغية تكريس نمط معين في النظرة إلى المرأة والتعامل معها، ورؤى أخرى تفنِّد وتنقد وتعارض في محاولة لبناء أنماط من الوعي واتجاهات مضادة. وبين هذا وذاك تلعب جماعات فكر متنوعة ومؤسسات متعددة في المجتمع دوراً في هذا الشأن؛ مما ينعكس سلباً على منظومة المفاهيم والقيم المستقرة في مدارك الأفراد.
وتزداد ضراوة هذا الصراع في ظل سمات النظام العالمي الجديد الذي سخَّر كل مقومات القوة في فرض رؤاه دون مراعاة للخصوصيات الثقافية والاجتماعية تحت دعاوى وهم العولمة. ومكمن الخطورة على ساحة الفكر العالمي في ظل النظام الحالي يتمثل في مساعي المنظمات الدولية إلى فرض منظومة القيم من خلال وثائق دولية مُلزِمة لكل دول العالم، وإن تضمنت هذه الوثائق تقنيناً لبعض القضايا المهمة والمفيدة كالتعليم والصحة ومحاربة فقر النساء في العديد من بقاع العالم إلا أن تناولها لمبادئ شرعية ومساسها بالمعتقدات الدينية، وعلى وجه الخصوص الإسلام، يعدُّ هزة فكرية تقتضي من كافة الأوساط والهيئات الإسلامية بذل المزيد من الجهد لمقاومتها وإبراز وتصحيح الصورة التي رُسمت عن موقف الإسلام من المرأة، وتكريس حق المجتمعات في تأسيس ما يتفق وعقيدتهم تجاه هذه القضية. والمملكة العربية السعودية بما لها من ثقل عالمي ورجاحة في الطرح وتوازن في الرؤية وثقة في سلامة المنهج والفكر مرشَّحة للنقاش الواعي والمتزن حول هذه الإشكالية برؤية وسطية عالمية تدحض بها الفرية وتحقق من خلالها الوجود العالمي في أطروحة بديلة جزماً أنها تلائم المرأة أينما كانت، ذلك أن الرؤية الإسلامية الصحيحة التي عرفها المجتمع السعودي رؤية قائمة على ما يتلاءم مع فطرة المرأة، ووجودها الإنساني، وعلاقتها الطبيعية بالرجل. الذي أعتقده شخصياً أن هناك ضعفاً في إيصال الرؤية الإسلامية الحقيقية للمرأة إلى المجتمع الإنساني، فالصوت الموضِّح للحقيقة العاكس لصورة المرأة في مجتمعاتنا المحافظة لا يملك من الفصاحة ما يمكنه من الجهر بالحق؛ إذ هو لا يكاد يبين إن كان له شرف الحضور في المؤتمرات والمحافل الدولية العالمية، وإن أبان فبكلام عاطفي ولغة عاجزة عن الإقناع، الأمر الذي يمنح الفرصة للمنظِّرين والمفكِّرين والساسة بتجاهل هذا التصور وفرض تصورات تتلاءم واتجاهاتهم على مختلف نواياها وأهدافها، ثم محاولة تمثُّلها في العالم بأسره، ومنه هذه البلاد ومن خلفها عالمنا الإسلامي والعربي في عصر العولمة كما يسمى.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved