خلال هذه الأيام من الامتحانات الدراسية، يخرج الطلاب باكراً من مدارسهم، يجوبون الشوارع ويمخرون الطرقات.. هذا يفحط بطريقة خطرة، وذاك يصرخ بأسلوب مقذع، وهؤلاء يخربون مرفقاً عاماً، وأولئك يعاكسون المارة بطريقة مؤذية، ذاك يقطع إشارة مرورية حمراء ويتحدى الناس والحياة..الخ. ليست المسألة مجرد مظاهر مؤذية عابرة، بل يحصل ضحايا من جرحى وربما موتى.. رجال المرور يشكون من هذه الفترة، سائقو اللوموزين يهابون ذلك الوقت من النهار ويتحاشى بعضهم القيادة أثناءه.. ثمة ضحايا كثر من الناس ذكروا لي ذلك.. وأنا أراها بنفسي كمكثر للمشي في كل الأوقات ويتاح لي أن أرصد الضحايا وأحيانا أكون الضحية!! إذا تناولتُ القضية بصورة أوسع، فأرى أنها ليست خطورة مؤقتة على الناس أيام الامتحانات بشكل مباشر فقط، ثمة خطورة أخرى، هي فترة الإجازة الصيفية الفارغة من أي نشاط..بل وحتى فترة الدراسة الخالية من النشاط اللاصفي.. إلا أن المصيبة الأعم والأشمل تتمثل في عقلية وسلوك هؤلاء الشباب وإلى أين ستؤدي بالمجتمع؟ ومن المسؤول؟ أجيب ببساطة: نحن جميعاً، أولنا التربويون والمسؤولون عن التربية والشباب وآخرنا هؤلاء الشباب.. وإذا أخذت الموضوع بصورة أكثر تعميماً، فأظن أن نظامنا الاجتماعي القديم، الذي لا يزال سائداً، هو المشكلة، وهو المتهم! أنا أختلف مع من يرى أن هؤلاء الشباب هم المخطؤون ويجب تأديبهم ومعاقبتهم. فإذا كانت العقوبات الجسدية ملغاة في المدارس لأنها أسلوب سيئ تربوياً ومناف لطرق التعليم الحديثة، فكيف يسمح به في الشارع؟؟ كيف نفهم أن يتم ملاحقة بعض الشباب والقبض عليهم وربما جلدهم على رؤوس الأشهاد؟؟ هل هذا أسلوب متحضر، يحترم حقوق الإنسان، حيث يصبح المدعي والقاضي والمنفذ واحداً؟؟ ثم ما هي مشاعر ذلك الشاب اليافع البسيط الذي كان يمرح ببلاهة وبعفوية ساذجة حين يلاحق في الشوارع ويجلد بهذه السرعة وكأنه مجرم؟؟ هل هذه تربية تتلاءم مع الأساليب الحديثة والتحديات الجديدة؟ وفي الأساس، لماذا تتم الملاحقة وكأن كل شاب مشتبه لمجرد كونه شاباً؟ هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتم بهذه الطريقة؟ هل يتم التدخل للنهي عن المنكر قبل وقوع المنكر أو التأكد من قرب وقوعه؟ هل من المقبول مراقبة الشباب أو الناس بهذه الطريقة وتوبيخهم بالظن؟ هل من المعقول منع شاب من دخول مركز تجاري أو حديقة عامة أو مرفق عام به عوائل بتهمة أنه شاب؟ فأين يذهب؟ الشباب هنا ضحايا وليسوا متهمين.. هم ضحايانا جميعاً.. الشباب طاقة وحيوية متفجرة وقدرات نشطة لا بد لها من الانطلاق.. فماذا هيأنا لهم؟ لا منتديات ولا مراكز ترفيه ملائمة ولا مسارح ولا غيرها.. أمامنا طاقة هائلة ستخرج بشكل أو آخر، فكيف نوظفها؟ وكيف نوجهها؟ مثلاً، الشباب المهرة في قيادة السيارات الذين يعشقون السرعة وألاعيب السياقة، والذين سيطلقون هذه الطاقات حتماً، هل تم إنشاء أندية رياضية للسيارات أو مضأمير سباق لهم كي يوجهوا طاقاتهم هناك بطريقة رياضية سليمة ممنهجة.. قد يقول لك قائل إن ذلك خطر لا ينبغي عمله! أوليست رياضة سباق الخيل قديماً بها تهديد على الحياة ومخاطر جمة؟ ثم أيهما أشد خطراً ممارسة الشباب هواياتهم في الشوارع أم في أندية خاصة منضبطة؟ ألم ترفع أعلام دول في منافسات رياضية شريفة ورائعة في هذه الرياضة؟ فمن المخطئ.. شاب لدية طاقة متفجرة يريد إطلاقها أم مجتمع يكبت يائساً هذه الطاقة؟ يرى كثير منا أن الشاب الذي يذهب من المدرسة مباشرة هاجداً إلى بيته ينام أو يدرس أو يقابل التلفزيون أو الكمبيوتر هو الشاب الصالح!! لماذا هو صالح؟ لأنه خلصنا من شره!! بل ربما هو شاب خامل أو مقموع كُبتت طاقاته ورضي بالرتابة والملل التي لا تليق بحيوية الشباب.. إنما هناك شباب لن تتوقف طاقاتهم من الفوران، وبعضهم قد لا يتوجه للشارع ويخاطر بحياته وحياة الآخرين بل ربما تستقطبه وتغرر به مجموعات إرهابية ترتدي حجاب الدين لتوجههم إلى تدمير مجتمعهم ووطنهم. ويظل السؤال: ماذا أعددنا للشباب والشابات من مجالات حيوية يمارسون بها نشاطاتهم الطبيعية، خاصة خلال الإجازة؟ الإجابة لم نعدّ لهم شيئاً يستدعي الذكر!! حاولت أن أجمع أساليب العديد من الناس في طريقة إفادة الشباب من الإجازة، ووجدت عموما أنه يمكن حصرها في ثلاثة توجهات. الأول، وهو الأغلب، يتركها للظروف من تمضية أوقات طويلة داخل المنزل أمام التلفزة أو الكمبيوتر أو أحاديث المعارف مع بعض النزهات والزيارات المتفرقة، فليس هناك أمكنة أخرى؛ فيما الثاني يركز على السفر؛ أما الثالث فهو يوصي بدعم برامج ثقافية ودينية تستقطب الطلبة. الأسلوب الأول واضح إفلاسه، لأن الشاب الطبيعي لن يقبل التسمر في البيت، الأسلوب الثاني مفيد، ولكنه لفترة قصيرة وباهظ التكاليف. الأسلوب الثالث جميل الشكل غريب المضمون أو التطبيق، لأنه يطالب الشباب بالاستمرار في المسائل التعليمية في فترة نقاهة وتحرر من الدراسة! الشباب والشابات يريدون ترفيهاً ومتعاً ومرحاً ولعباً وممارسة هواياتهم، مكافأة لهم على ما أنجزوه خلال العام الدراسي وليس الاستمرار في البرامج التثقيفية المملة بالنسبة لهم! الاعتقاد بأن الترفيه مضيعة أو مجرد تمضية للوقت اعتقاد قاصر. الترفيه تنفيس صحي ودعم روحي ومعنوي لمجابهة مكابد الحياة. المتعة والمرح ليس شيئاً ثانوياً، بل هي عامل نفسي أساسي لإخماد المتاعب ولمجابهة الأزمات، فالراحة النفسية والبهجة والضحك والحبور هي مفاتيح لصحة الجسد والعقل والنفس.. كما أن المتع الموجهة والبرامج الترفيهية المدروسة التي تتيح الفرص لممارسة الهوايات، هي في نفس الوقت تربية وتوجيه للطاقات ودعم للإبداعات، تعمل على صقل المواهب الجسمانية والفنية والفكرية اللامدرسية. وبدلاً من وضع برنامج تثقيفي في إحدى المدارس أو المراكز في الإجازة، من الأجدى وضع برنامج ترفيهي من مسرح وسينما وشعر ورياضة وألعاب ومسابقات متنوعة.. مجتمعنا بنظامه التقليدي لا يربي المواهب ولا يدعمها، ولا يحتضن الطاقات الهائلة للمراهقين والمراهقات والشباب والشابات، بل يتركها مبعثرة ونهباً لقدر الصدف والحظوظ وربما للتيارات المتطرفة!! فلا نلوم البراعم على انحرافها بل اللوم علينا وعلى المربين وعلى أصحاب الأسلوب، الذين ظنوا أنه بقمع الطاقات الجديدة يمكن إخمادها.. هذه طاقات لن تخمد بل ستظهر في صور شتى بعضها مدمر.. فلا تلوموا الشباب.. واسألوا أنفسكم ماذا هيأنا لهم؟
|