(1) ولادة:
وها أنت يا أيها السيد الموت.. تأتي لنا!! تغيب تغيب.. ثم تأتي لنا.. لتختار أَنْفسَنَا... واليقينَ الذي دَثَّرنا!! ثم تمضي وتتركنا... ينهش الحزنُ أضلاعنا.. ومساء من الرَّوع يكسو وجهنا!! أيها السيد الموت ... يكفي من أخذت لنا !! فمتى.. ومتى سوف تعود لنا... أيها السيد الموت؟!! (2) مسيرة حياة:
... و(أحمد علي)... هكذا - دون (جد) أو (عائلة) أو انتماء (قَبَلي) - يرد الاسم على البال، ونرسمه في بياض المقال، لأنه (عَلَمٌ) في العائلة، لا تشير الإبهام إلا إليه إذا قيل أحمد علي. و(أحمد علي) سيرة نادرة من شامخات الجنوب عندما كانت ثلاثية الجوع.. والجهل.. والمرض، تعصف بالأجساد والعقول والأفئدة في تلك البقاع، فيهاجر القادرون نحو الشمال في مواسم يستمطرون العلم.. والصحة.. وما يقيم الأود!! كان (أحمد علي) سيرة سامقة، ومسيرة (يُتْمٍ)، وكفاح، وجلد، عبر تحولات وتغيرات لا يقوى عليها إلا المجاهدون الصابرون. فمنذ أن حبا، ورعى في شعاب من القحط وقلة الغيث بأحد جبال الجنوب، وحتى أمَّ المصلين في (لزان - الجوادحة) - إحدى قرى الطائف - وقام آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، في (ضِبَا) - إحدى مدن الشمال - ثم منقولاً للعمل في الجوازات بجدة، حتى ترجّل عن المسيرة الوظيفية الحكومية في إدارة الجوازات بالطائف...، منذ ذلك كله، تسامت عصاميته وتناسلت من آلام اليتم، وسنين القحط، والأيام العجاف، فغدا وراح في مسيرة باذخة من الألم والعمل والكفاح والصبر والتجلد وكل أبجديات المقاومة الدنيوية!! كان (أحمد) مجموعة من الآمال والآلام، سارت في دروب الحياة بكل عواصفها وتقلباتها، ولكنها حُفَّتْ بمن يرعاها، ويصنعها على عينه، ويضمها إلى جناحه، علماً ورعاية وتوجيهاً، من قبل والد برّ رحيم. هو والدي رحمه الله، فقد تدرَّع بالأبوة الحقة، وأخذ على عاتقه تربية ورعاية هذا اليتيم كأحد أبنائه، بل أكبرهم والأميز لديه!! ولم لا وهو ابن أخته الذي فقد أباه صغيراً.. والخال والد كما يقولون!! (3) مشاعر وذكريات:
و(أحمد علي)... سيرة ومسيرة، بدأت في (بني سعد لا الذيبة - تحديداً، عندما شبَّ هذا الغلام في بيئة دينية - تعليمية، فخاله إمام مسجد ومعلم صبيان، ومطوع القرية. وهنا في قرية الذيبة كان له دور معي أذكره ولا أنساه، دور أخوي - أبوي في نفس الآن - أذكره بالفضل والفخر والدعاء!! فأنا الطفل الصغير، ابن الثامنة أو التاسعة، أذهب للمدرسة الابتدائية البعيدة (مدرسة شفا ربيع) نذهب راجلين ونعود كذلك بين جبال وشعاب ووعورة طريق، فيأخذ منا التعب كل مأخذ، وما إن يصل الطفل - أنا إلى مشارف القرية حتى يلقاني (أحمد علي) مرسولاً من الوالد لمساعدتي في حمل الحقيبة المدرسية ذات الوزن الثقيل، أو حملي - إذا لزم الأمر - وكثيراً ما يلزم فأنا الطفل المتعب والصغير الذي لا يقوى على مشاق الطريق!! أذكر ذلك فأدعو بالمغفرة والرضوان. وكبر (أحمد علي) كبر على خطة ومنهج هذا الخال - الوالد، فغدا شاباً يشار إليه بالبنان متعلماً وقارئاً للقرآن، فألحقه بوظيفة إمام مسجد في قرية نائية عن (الذيبة) اسمها: (لزّان - الجرادحة) التي يقطنها ثلاثة فروع من قبيلة بني سعد وهم: اللّصصة، الزّحمة، السويدات. وفي هذه الفترة تزوج، وأنجب، وكون أسرة، وأصبح رجلاً ورب أسرة، وكنا نتزاور أسبوعياً فنلقى لديه الكثير من الحب والألفة والأخوة الحقة رحمه الله؟! ولما ترحلنا - آل عارف - إلى الطائف، رحل معنا ذلك الشاب - الرجل (أحمد علي) وجاءته الفرصة موظفاً بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شمال المملكة، حيث مدينة (ضبا) الساحلية والبكر آنذاك، واستمر فيها بعائلته التي بدأت تنمو وتكبر - قرابة أربعة عشر عاماً، فحنَّ الدم للدم، وطلب الانتقال إلى الحجاز، فتسهلت له وظيفة في جدة حيث الجوازات وهنا تشاء الإرادة الإلهية أن أتخرج من الجامعة، وأبدأ حياتي العملية في جدة، فنسكن سوياً، ونجرب (العزوبية) لأول مرة فقد أسْكن أهله في الطائف حيث الوالد رحمه الله والأسرة. وفي (الصحيفة) - أحد أحياء جدة - كانت دارنا المستأجرة وكان لنا فيها الكثير من الذكريات، ذكريات مع ناصر الزهراني (شفاه الله) ومع الأستاذ علي الغامدي -رحمه الله- ومع الأخ يحيى العارف (وفقه الله) ومع الزميل عبدالله بن كارع - متعه الله بالصحة والعافية - وغيرهم كثير. ذكريات، وذكريات هو سيدها وأساسها، رحمه الله، ومن تلك الذكريات موقف لا ينسى مع الزميل ناصر الزهراني الذي اقتحم على زملائه بالجوازات بدباب (دراجة نارية) وأحمد علي رديف له فكان موقفاً لا يحسد عليه!! وأذكر كذلك موقفه مع الأستاذ علي الغامدي الذي تحلف عن صنع طعام الغداء وهو شريك لنا في العزوبية بعد يوم حافل بالتعب والمخاصمة. وأذكر كذلك تلك الغرفة المتواضعة لابن كارع التي كنا نأوي إليها إذا انطفأت الكهرباء وازدادت الرطوبة ضمن أجواء جدة المتقلبة في تلك الأيام !! كان أحمد علي، - كل أربعاء - يسافر للطائف ليطمئن على الأهل والأبناء، ويتم التواصل الهاتفي بيننا في وقت متأخر من الليل، فأطرح عليه السؤال المضحك - المجرح (هل أطفأت النور ومتى تطفئ النور؟!)، فيحار في الجواب ونضحك ملء شدقينا وأصبحت هذه المقولة - السؤال مثلاً سائراً وسؤالاً حائراً ونكتة ليل تضحكنا كلما تعاطيناه!! وقد كان آخر سؤال له -رحمه الله - أثناء زيارتي له قبل وفاته وهو على فراش المرض وأريد أن أسري به عن نفسه وأذكره بأيامنا الماضيات، فكان الجواب الحزين: لقد حان وقت الانطفاء!! وقد حان الوقت لينطفئ النور!! فرحمك الله يا أحمد علي !! (4) المشوار الأخير:
وما هي إلا سنوات يقضيها في جدة، ثم ينتقل إلى الطائف ومنها بدأ حياته الوظيفية، وإليها يعود ليقضي ما بقي من سنوات الخدمة الوظيفية، ويحين التقاعد بعد أن أبلى بلاء حسنا في كل ما أسند إليه من أعمال، فهو المنضبط، والمنجز، والأمين، والمخلص، والمدفوع بحب الوطن والانتماء إليه، والمؤمن بخدمة الناس. وذلك ما شهد به زملاؤه ومحبوه عندما جاؤوا يعزون!! فرحمك الله يا أحمد علي!! ها هو الآن يخطو إلى السبعين، وصحته في تدهور مستمر، فمن مشفى إلى آخر، ومن مرض إلى مرض، حتى يحل بكبده الوباء الخبيث فينتشر ويصفر جسمه ويسجيه المرض، ويعجز الطب، وأخذ منه الغيبوبة المتقطعة مأخذها، فأصبح بين أيدينا كالميت وليس بميت، ولكنه بطيء بطيء يموت حتى حانت ساعته الموعودة مساء يوم السبت 22-3-1426هـ الساعة الحادية عشرة ليلاً عندما فاضت روحه وأغمضت عيناه، والتفت ساقاه، في مستشفى الملك فيصل بالطائف!! (5) وفاة:
وها (أحمد علي) يسجى إلى مثواه الأخير بمنابر (القيم) ظهر يوم الأحد 23-3- 1426هـ بعد الصلاة عليه في مسجد ابن العباس، فرحمك الله رحمة واسعة، وألهمنا وذويك الصبر والسلوان وعزائي لأبنائه وأحفاده وكل أهله. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}. (6)حياة جديدة:
وها هو (أحمد) الحفيد يولد في مثل يوم وفاة جدّه وفي نفس الساعة تقريباً، فسبحان الله الذي يأخذ ويعطي، ويميت ويحيي، وهذه هي الحياة ميلاد وموت، فوداعاً للميت المقبور وحتى نلتقي في يوم البعث والنشور ندعو له بالمغفرة والرحمة، ومرحباً بالمولود الجديد الذي حمل اسم جده المغفور له إن شاء الله!! (7) رواية شعرية:
(غاب عنا بوجهه السمح نور أين من فيض نوره النيران فتعصى الكلام وامتنع الشعر فنهر الدموع كالطوفان أين مني البيان أغمس فيه ريشة الفن وردة كالدهان كتب الموت يا حبيبي علينا كل شيء على البسيطة فان أي رزء جديد طبق الكون أحال الوجود لجة من دخان يشهق العصر بالتنهد حزناً ويئن التاريخ بالأحزان) |
* من قصيدة للشاعر المؤرخ محمد أحمد العقيلي رحمه الله يرثي الملك فيصل رحمه الله ورحم أمواتنا جميعاً. |