الوهم يقتل الهمم، ويقضي على دوافع الطموح عند الإنسان، والنفس المتعلِّقة بالوهم نفس مريضة، تحتاج إلى علاج روحي يخلِّصها من جراثيم الوهم القاتلة. والواهم ضيِّق الأُفق، عاجز عن الفهم المتكامل للقضايا والمواقف والأشخاص، يتعلَّق بخيوطٍ واهيةٍ من العثرات والأخطاء التي لا تخلو منها حياة البشر، ويستأنس بتضخيمها استجابةً لنفسه المريضة، ويظل يتعامل من خلالها زمناً طويلاً، تتغيَّر فيه الأشياء، وتتطوَّر، وهو واقف عند باب وهمه المعتم يتشبَّث بالخيوط المتشابكة التي تخدعه عن الحقيقة الناصعة. كنَّا في مرحلة الدراسة الجامعية نصطدم بالوهم المعشِّش في أذهان اليساريين، والقوميين المتعصبين، والناصريِّين، والبعثيين، نقول لهم: هذه الشمس في كبد السماء مشرقة الوجه ناصعةَ الضياء، وهم يقولون: كلاَّ ما هذه إلا عيونكم الغافية ترون بها الشمس في أحلام اليقظة، كما ترونها في أحلام النوم، نقول لهم، لا رجعيَّة في الدين الإسلامي الحق، وليست الدولة التي تحكم بشرع الله رجعيَّة ولا متخلِّفة، وإنما هي ذات أصالةٍ ومبادئ ثابتة، وهم يقولون: جهلكم بما قال لينين، وستالين، وماركس، وأنجلز و.... إلخ هو الذي يجعلكم تظنون هذا الظنّ، وتمر الأعوام تِلْو الأعوام، وتزول غشاوة الأوهام، وتتمزَّق خيوطها الواهية، وتتخلَّص نفوسٌ كثيرة من همِّها، ولكنَّ فئةً مسمولة الأعين تظلُّ سادرة في وهمها، ترى أن الرجعيَّة لا تزال مرتبطة بالدِّين، وأنَّ التطوُّر والتقدُّم لا يمكن أن يتمَّ إلا باللُّهاث وراء العولمة، ومطاردة ما وراء الحداثة، بعد الحداثة، وملاحقة أشباح الحريَّة الكاذبة، والتمسُّح بأعتاب أباطيل الديمقراطية، وأكاذيب الليبرالية، وأعاجيب محاربة شبح الذكوريَّة من أجل شبح (الأنوثيَّة)، والحكم على نيَّات دُعاة (الإسلامويّة)، دفاعاً عن (القومويَّة). هكذا يسيطر الوهم على (الواهمين)، فيغلق منافذ التفكير السليم عن عقولهم، وأبواب الرؤية السديدة عن أبصارهم، فيظلُّون في دائرةٍ محكمة الإغلاق، والدُّنيا من حولهم تركض وفق سنن الله في هذه الحياة. المفكرون المتجاوزون لدوائر الأوهام في الشرق والغرب يؤكدون أن الدِّين الحق، هو المنقذ للبشرية من تخبُّطها الذي لا يخفى على عاقل، والواهمون لا يزالون يتحدثون عن علاقة الدِّين بالانغلاق والرجعية، والنظرة الأحاديَّة، وينالون من كلِّ مسلم ينادي برجعة المتهوِّرين، وأَوْبَةِ المستغربين، ويتهمون كلَّ مَنْ يحارب برامجَ الفساد، بأنَّه متخلِّف متكلِّس، والحقُّ الأبلجُ يقول: إنما التخلُّف والتكلُّس في عقول الواهمين، فمتى يستيقظون؟!. إشارة: { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }.
|