علاقتي بالأمير متعب بن عبدالعزيز تعود منذ طفولتي إذ تجاورنا بالسكن في المنطقة الغربية، وكان حينها بمثابة الأب لنا، وحين كبرت، وحين أتأمل الآن شخصه وتجربتي معه أستشعر عمق ما تعلمته منه، دون أن يقصد أو يتعمد ذلك، وإنما يتم ذلك على نحو عفوي وغريزي. فالأمير متعب اسم على مسمى، فهو فعلاً متعب لأنه يأخذ نفسه بالشدة وبالتالي تجدها فرضت على من هم حوله. وهذه الشدة توضح كأكثر ما تكون وضوحاً في تصريف الشأن العام بحكم مسؤولياته التنفيذية، فهو يناقش كل كبيرة وصغيرة، بل يناقش حتى التفاصيل الدقيقة في تنفيذ المشروعات السكنية، فهو مرة له رأي هندسي يحقق من خلاله المشروع أكبر قدر من جدواه، وهو تارة أخرى رجل أعمال أو تاجر يدقق في المصروفات وأسعار المواد المستخدمة في تنفيذ المشروع. هذا الحرص والصرامة في النهوض بالمسؤولية على أكمل وجه هو ما يميز الأمير ولكنه يتعب من هم حوله لأنهم حينها سيشعرون بأن واجبهم يجب ألا يقل تحت أي ظرف عن الواجب الذي يلزم سموه نفسه به. لقد استقرت في أذهان بعض الناس قاعدة كادت تسود وهي أن المسؤول صغر أو كبر تنحصر مهمته الوظيفية في التوقيع على الأوراق التي أمامه على عجل دون أن يدقق أو يتفحص فحواها إنما هو المسؤول المثالي في نظر مرؤوسيه. إلا أن الأمير متعب في نظر البعض محبوب ليس لأنه أمير وواحد من ولاة الأمر، إنما بحكم أدائه كمسؤول تنفيذي يحكّم ضميره عند القيام بواجباته التنفيذية. بعيد عن الأضواء الإعلامية
قد يطرأ على ذهنك سؤال: من أي نبع يستقي الأمير متعب هذه القيم؟ أجيبك، وأنا على يقين بأنه لن يرضى كشف أسراره فهو - وليغفر لي سموه- حين يتبرع لذوي الحاجة، كان يصر على أن ذلك يجب أن يتم من وراء ستار، أي ألا يعلم متلقي هذه الهبة من أي شخص جاءت، فقط إنها من (فاعل خير). ومفتاح شخصيته هي في مخافة الله، والحرص على أداء ما ألقي على عاتقه من مسؤوليات، والزهد والتواضع. فمن حيث مخافته الله وتقواه، أنه ما قاد سيارة ما إلا وكان القرآن المرتل بصوته هو صاحبه في الطريق، كما لاحظته أنه يرتله بصوت عالٍ، متدبراً آياته. ومن علامات زهده أنه لا يعبأ بموديل السيارة التي يركبها - جديد أو قديم - على ما نراه من مستجدي النعم الذين يتفاخرون بموديلات وماركات سياراتهم. ولا يبالي الأمير أين يذهب وحل، لأنك يمكن أن تفاجأ به في حي شعبي يقدم واجب العزاء لذوي من توفاهم الله، كأي مواطن بسيط - بين أهله - يقوم بواجبه الاجتماعي. وفي رمضان - وهو يفعل هذا سنوياً - كان يترك مصلياته الخاصة حين يرى فجوة في الصف الذي أمامه فيتقدم لملئها مخلفاً وراءه مصلاته ليحل عليها من يحل، ولا يأخذها معه، متقدماً الصفوف التي بإمكانه - بحكم موقعه الاجتماعي والرسمي أن يتقدمها - ولكنه بين يدي ربه يطرح هذا الزخرف الاجتماعي، ليعود عبداً بين يدي خالقه سبحانه وتعالى. إنه حقاً ابن عبدالعزيز رحمه الله، وهذا هو الأمير في نفسه، قبل أن يشهد الناس له بالإمارة، وهذا هو نهج أبناء وورثة الملك عبدالعزيز، الذي كان ملكاً بالحق.
|