كانت فكرة تتردد في ذهن صاحب (الجزيرة) الأول . . كيف تتحقق وكيف ستكون شكلاً ومضموناً، وما هو المستوى الذي ينتظرها، والواقع الذي سوف تعيشه . . خواطر، وأفكار، وتخيلات . . ثم كانت حقيقة، بدأت كأية بادرة فكرية ناشئة، يحدوها العزم، ويحفزها الإخلاص، وتعيش على الأمل من ناحية . . ويعرقل سيرها، ويقعد بها عن بلوغ مأربها . . خلو الوفاض، وندرة القارئ، وهزال الاستعداد الطباعي، وانعدام المشجع . . من ناحية أخرى . . بدأت حياتها محفوفة بمقومات التثبيط، وعناصر الضعف . . بدأت حياتها مجلة شهرية، يزين غلافها مصور الجزيرة العربية، رمزاً لاسمها ولكنها بلون كئيب كواقعها، باهت كمستوى طباعة بلادنا حينذاك . . وتحمل طرتها العنوان التالي: الجزيرة: مجلة أدبية اجتماعية، وكان ما بين هذا العنوان الفضفاض وبين واقعها ما يمثله هذا البيت: أهم بأمر الحزم لو استطيعه . . البيت . . البيت وكان الإعلان ولا يزال هو عصب حياة المجلة أو الجريدة والمفروض في مجلة سوف تصدر لأول مرة، أن تتزاحم موادها وإعلاناتها، وأن يتسابقها المعلنون بتقديم إعلاناتهم . . ولكن (الجزيرة) لم تحظ في عددها الأول إلا بإعلانين، صغيرين، أحدهما للأمن العام، والثاني لوزارة المعارف، وترتب على نشر إعلان وزارة المعارف مشكلة كانت عامل تحطيم لهذه المجلة الناشئة، وصدمة لصاحبها . . كان هذا الإعلان لم ينشر إلا في الجزيرة، باعتبارها أن الصحف كلها إما شهرية، وإما أسبوعية، ولكن الإعلان مستعجلاً، ومدته لم تحدد بزمن وقد وافق صدور الجزيرة لأول مرة فنشر بها فقط . . فبموجبه فتحت مظاريف تلك المناقصة، وكان العطاء وحيداً فحظي به صاحب العطاء، واحتج المقاولون بأنهم لم يروا إعلاناً عن هذه المناقصة، وهل يصح إذا أعلن في صحيفة نكرة، لم تقرأ بعد، ولم تصل إلى أيدي الناس، هل يصح أن يسمى هذا إعلاناً . . وكانت مشكلة، وكان كل ما يجري حولها تحطيماً لهذه المجلة، وحطاً من شأنها . . ولكن الخطوط التي رسمت لها والمبادئ التي حددت لها، والدوافع التي صاحبتها . . هي وحدها التي جعلت من (الجزيرة) المجلة الأولى في بلادنا . . اقرأ ما جاء في افتتاحية العدد الأول منها: ولقد عودتنا يا إلهي سوابغ نعمك، وفواضل توفيقك . . ها أنا جئت إليك عاقداً عزمي على عمل أرجو أن يكون خالصاً لوجهك، لتأخذ بناصيتي إلى الخير والهدى . . وان امرأ استبطن الجهاد في سبيلك، وكان رائده إعلاء كلمة دينك، وإصلاح شأن عبادك، وخدمة لغة كتابك . . لأنت هاديه وموفقه . . أيها القارئ الكريم . . إن مجلة الجزيرة منبر تستطيع من قمته أن تنادي بفكرتك، وان تعتبرها مجلة التي بها وإليها تفزع كلما راودتك فكرة، أو أردت نشر دعوة . . في حدود الأهداف التي اتفقت عليها أنا وأنت، متحاشين أن نجعل منها مطية لمدح أو أداة لغرض خاص، أو سبيلاً لما يخالف أهدافنا السامية . . ومثلنا العليا . . أو ميداناً للتشهير، والتجريح، والإسفاف . . بل جهاد، وعمل، وتضحية، وصبر . . والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وان الله لمع المحسنين . . ومضت المجلة في سبيلها، تصارع المعوقات، وتجابه المثبطات، يحدوها العزم، ويحفزها الإخلاص، ويواكبها الإيمان بالمبدأ . . حتى بلغت مستوى فارعاً. وبلغت قيمة النسخة الواحدة من بعض أعدادها عشرين ريالاً، واستنسخت بعض موادها بالاقلام، وتزاحمت الإعلانات على صفحاتها تجارية وحكومية، وشارك في تحريرها أقلام عمالقة، من نابهي كتاب العرب، واشترك فيها جامعات العالم ومكتباته العظمى . . و جرت على صفحاتها مساجلات نقدية، ومطارحات أدبية، ومسابقات شعرية، واستفتاءات وندوات . . وكان مكتبها ملتقى للرواد، والقصاد من حملة الأقلام وعشاق الأدب . . واستضافت من ناشئتنا النابهين صفوة مختارة، يجمعهم المبدأ، وتجذبهم نصاعة الهدف، ويحفزهم الواقع المتوثب . . فكان لها شرف الاستفادة منهم، وكانت مدرسة منجبة، برز من على منبرها أقلام ذات صدارة، وجدارة . . تعتز بها بلادنا اليوم، وتعتد، ولا يزالون حتى يومهم هذا، وحتى نهاية مواكبتهم للحياة . . أوفياء بررة، يحفظون للجزيرة عهدها ووعدها، ويذكرون لذلك المضمار تتسابق فيه أقلامهم، وتتنافس فيه أفكارهم . . يذكرون درة المتحفز اللذيذ أذكر من بين هؤلاء الأساتذة ناصر السليمان العُمري، وأبي عبد الرحمن بن عقيل، ومحمد الهويش، وعبد العزيز آل مبارك، وحمد بن فريان، وزيد بن فياض، ومحمد المسيطير، ومحمد بن حمدان، وراشد آل فهد، وهاشم عبده هاشم، وإبراهيم بن سيف . . وغيرهم كثير كثير من شداة ذلك الزمن، وشبابه المتوثب . . كما استضافت شداة آخرين، حفظت لهم العهد فاضاعوه، وكونتهم فعقوها، وعرفوا على صفحاتها فعرفوها كيف يكون الاباق والنفاق واللؤم . . وتوقفت الجزيرة - المجلة - فترة، وفي عصر المؤسسات عادت صحيفة أسبوعية، تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر، تضم فئة مختارة ذوي كفاءات علمية ممتازة، ومكانات اجتماعية بارزة لي شرف السعي لانتظام عقدهم حول هذا المشروع الحيوي النافع . ومضت الجريدة متوثبة تارة، ومتعثرة أخرى، تبعاً لجهاز تحريرها . . ولكن الهدف الذي قامت عليه أصلاً، وإيمان مؤسسيها بفكرتهم، هما صمان الأمان لحياتها، ومن ثم استعادت نشاطها وحيويتها . . وها هي الآن تثب وثبة المتفائل وتقدم إقدام المنتصر، فتصدر يومية، مجتازة كل العقبات، ومتخطية كل الصعاب . . واننا لنطمع في كل حين وثبة حتى تحتل الصدارة، وتحوز قصب السبق . . وإنها لفاعلة إن شاء الله.
|