أتجاوز نظم الأستاذ علي حافظ، الذي عنوانه: (يا حبذا جدة من بلدة)، ومطلع نظمه قوله:
يا حبذا جدة من بلدة
أذكرها في البعد والقرب
ولو أن هذه الألفاظ التي لا حياة لها صيغت نثراً، لربما قرأنا كلاماً فيه معنى وحياة، وكيف يحشر نظم ليس فيه معنى؟! وكم أود من الذين لا يحسنون شيئا ما أن يتحولوا إلى غيره إن استطاعوا، ذلك أن مركب الشعر الحقيقي صعب، لا يقوى عليه إلا الموهوبون النوابغ من الشعراء المتمكنين، وما كان ينبغي نشر هذا الغثاء والركاكة، غير أن طابع المجاملات ونحوها الذي يسيء ويفسد، هو ما يدفع إلى تقديم نماذج لا ترقى إلى مستوى المقبول! * والقصيدة التالية لشاعر لا يمارى في شاعريته، الدكتور غازي القصيبي، ولعل حبه جدة لم يصل إلى ذلك المستوى الراقي في قصائد هذا الشاعر المجيد، وقصيدة (جدة عروس البحر)، ليس فيها ذلك الشعر الأخاذ، الذي نقرأه لشاعر منفعل.. ولعل هذه القصيدة نظمت مجاملة لجدة وبعض من فيها، ولكنها ليست من شعر القصيبي الذي عرفناه في قوته وتحليقه البعيد! واسمعوا معي قوله في جدة:
عروس البحر بالجمال توشحت
باتت مسهّدة الجفوف وسهّدت
كم عاشق متولّه في حبها
تركته مشدوها بها وتبعّدت
* وفي تقديري أن الشاعر لو سئل عن نشرها فيما سمي (ديوان جدة) لقال لا، لا تنشروها، فهي خاطرة عابرة أشبه باللهو فلا تحسبوها عليَّ، وربما قال: لا تحسبوها لي.. ولو كتب العزيز غازي من نثره الجميل الماتع الذي عرفناه، لقرأنا قطعة فنية، هي أجمل وأبدع من هذا الشعر المحسوب على شاعر كبير، فهي لا ترضيه في موازين الجمال الفني، وبالتالي لا ترضي عشاق جدة، وربما كان الشاعر ليس منهم مع الاعتذار! * ونتجاوز نظم أستاذنا محمود عارف - رحمه الله - لأن ما كتبه هو من الخواطر التلقائية التي ربما تقال عفو الخاطر، فليس فيها جوى وروعة الشعر الأخاذ، ولو انفعل العارف لأجاد، لأنه ليس ابن جدة وكفى ولكنه من عشاقها.. وحديث أستاذنا عن جدة يشبه الريبورتاج الصحافي، الذي يسجل فيه كاتبه وصف ما رأى وسمع، وهي رؤى عابرة سريعة. * أما قصيدة السيد محمد حسن فقي - رحمه الله - ففيها نفس شاعر مجروح ذي شكوى وآلام وإحن، وهو شاعر كبير، المحزون في كثير مما قال ولا سيما في الشعر، وانظروا إلى مطلع قصيدته (جدة)، فهو قد كتب قصيدة شجن والقلب الجريح لا ينسج إلا حزناً وشكوى، إذ ليس في أفقه سلوى، وإنما ركام من الهموم التي تلبدت في النفس فهزتها أياما، أحسب أنها طويلة، وليس أمام ذي حس كالشاعر الفقي إلا أن يفرز ما يعتمل في النفس الجريحة، فهو ما يلوب في ثناياها في كرب، رحمه الله فقد أشجاه حسه، فعاش معاناة لا يحتملها إلا صبور، والشاعر والكاتب لعله يتنفس من خلال ما يكتب من شعر ونثر.. وأسوق نمطاً من حديث الشاعر الكبير عليه رحمة الله، وهو نسيج حزين:
جدتي أنت في الجوارح قلب
كيف نلهو والقلب منا جريح؟
كلما أبصرت عيون محبيك
محيّاك وهو باك طليح
ذرفت دمعها الحزين وقالت
أين يا جدتي المحيا الصبيح؟
* إذاً فشاعرنا يذرف همومه، وهو يحادث جدة، بدل أن يبتسم ويزهو من خلال وقفة على الشاطئ، يتأمل الموج وزرقة البحر، التي يراها أحدنا متنفساً في بهجة وجمال أخاذ! إن شاعرنا يمتح من عالم آخر، من داخل نفسه الكلوم، وهو ومثله لن يصوروا جمالا وإن عاشوه، لأن بدواخلهم غير ما يرون، أو قل رؤى حزن وألم وهم. * وبابا طاهر، أعني طاهر زمخشري - رحمه الله - يكتب عن جدة خواطره التلقائية، ليس فيها عمق ولا سبح في يمّها، حيث اللآلئ والمرجان، غير أن الأستاذ طاهر ينظم ما يتحدث به إلى أي صديق، فيقول:
يا عروس البحر خفاقي الذي
في ضلوعي فيك قد أمسى عميداً
ومن الأعماق فيه جذوة
تبتغي للحب زنداً ووقوداً
* قصائد طوال بمسماها العام، غير أنها لا ترقى إلى مستوى الشعر النابض الحي.. ولعلي أنهي هذه الوقفات بكلمات عن ابن جدة وهو شاعر مجيد، ولعل قصيدته عن جدة، من بحر ما ينسج أديبنا وكاتبنا أحمد قنديل - رحمه الله - من ذلك النمط (الحلمنتيشي) في معانيه، وإن صيغ بعربية فصحى، وشعره هنا خفيف الظل كحال الشاعر نفسه في الظرف!
رأيت جدة.. جنب البحر راقصة
على الرمال.. بإشراق وتعبير
كأنها وعذارى الحور طفن بها
يعربن باللحظ.. عن حب وتقدير
عروسة البحر من أعماقه طلعت
تروي الحكاية عن أحلى الأساطير
* هذا نموذج من شعر ووصف الشاعر المجيد القنديل، كأنه وهو يعنون لهذا الضرب الخفيف القول: (رقص ورمل وعروس)، يحلم وهو جالس أو واقف على الشاطئ، ليلهو بنا في ساعة حرّة، فيها تخفيف من متاعب الحياة.. ذلك أن القنديل رجل مرح صافي النفس، ليس في حياته كدر يعكر مزاجه، ولقد كان يمتع قارئه بهذا النمط في النظم الخفيف اللطيف، الذي لا تكلف فيه ولا حشو، وهذه قدرة تميز بها القنديل، وهو شاعر مبدع، كما قرأناه في أيام خلت، كان القنديل يجيد الوصف والتصوير، واقرأوا إن شئتم قصيدته التي مطلعها:
قال لي والتلال قد لفّها الصم
ت كما لفّنا الهوى في ردائه
* وجدة الجمال والهوى، قد أتاحت لي وقفات على ما قرأت.. ولعل ثم شعراً قيل أو سيقال من شعراء الجيل الجديد المبدعين، سيُرى فيه نبض وصور وحس وجمال، فعلى الساحة في جدة شعراء، يقولون شعراً جميلاً، لعلنا نسمع ونرى هواهم في جدة وبحرها وساحلها، من دافع حب وغرام غلاب، انطلاقاً من ذلك التعبير الذي وصفت به - جدة غير - فجدة تستحق أن يتغنى بها الصادحون، ولكن بعد أن يحبوها، لتصبح أو تمسي هوى في هواها!