|
|
انت في
|
|
نطالع على صفحات صحفنا اليومية أخباراً مفزعة كشفت أسرارها الحملات الأمنية التي تقوم بها قوات الأمن، في مدننا وقرانا في مناطق المملكة المختلفة، ونقرأ يومياً أخبار الكشف عن السحرة والمشعوذين والمجرمين والمنحرفين أخلاقياً وفكرياً، بشكل يدخل الفزع، ليس في قلوب الموطنين فحسب، ولكن - في اعتقادي - في قلوب رجال الأمن الذين يعرضون أنفسهم للمخاطر دفاعاً عن الوطن ومرتكزاته المجتمعية. صحيح أنّ الحملات الأمنية ستساهم بلا شك في القضاء، ولو مؤقتاً، على بعض هذه التصرفات الشاذة والتجمُّعات الخطيرة، وستساعد على رفع تكلفة عمل تلك الفئات المنحرفة، ولكن الأهم هو الإجابة على السؤال الرئيس في الموضوع، الذي يتعلق بالمواطن، الطرف الآخر الذي مكّن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لهؤلاء المنحرفين. فإذا كان من غير المنطقي قبول فرضية عمل تلك الفئات المنحرفة في الخيال، فمن ذا الذي سهّل لهم الحصول على المسكن، ومن الذي سهّل لهم الاتصال بالمستفيدين، ومن هم المستفيدون، وأين هو الشعور الوطني لدى مستقدمي هذه العمالة المنحرفة، وكيف تم لهم ترك هذه العمالة تسرح وتمرح في أوساط المجتمع بلا رقيب، وكيف أصبحت تلك الأعمال المنحرفة ذات جدوى اقتصادية في وسط مجتمعنا الذي كنا ننعته بالمحافظ، والأهم هل يمكن قبول وصف من سهّل عمل هؤلاء بالمواطن؟ .. أسئلة لا بد أن تدور وتتحرك وتنشط في فكر كلِّ مواطن حتى نستطيع، ليس فقط تحقيق نجاحات أمنية مؤقتة، ولكن خلق بيئة وطنية ترفض قبول مثل هذه التصرفات، وتدفع بالكل لكشف هذه التصرفات وفضحها قبل مرحلة النشاط الأمني. ولعلنا في هذه المرحلة التي ننشط فيها أمنياً للقضاء على هذه الفئات المحرفة أخلاقياً، نتذكر كيف عاش الإرهابيون في أوساط المجتمع وفي الشقق المفروشة وفي المنازل بين أوساط المجتمع، دون أن نكتشف خطورتهم، ونتذكر بشفافية عالية وصراحة مطلقة أنّ غياب الحس الوطني لدى بعض المواطنين هو الذي مكّن لكل الفئات التي تستهدف أخلاق وفكر وأمن الوطن، وعندها فقط سنجد أن أساليب المكافحة والمواجهة لا بد أن تطال طرفي المشكلة: المواطن الذي تساهل وأهمل بقصد أو بغير قصد، والمجرم الذي يسعى للكسب السريع بغض النظر عن معطيات العمل وخسائر الوطن .. ففي جانب الوطن لا يمكن الغفران عن المواطن الذي شارك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذه الأعمال المشينة، التي تهدد الاستقرار الوطني، ولا يمكن قبول وصف من يشارك في هذه الأعمال بالمواطن، لفقدانه لأبسط أركان المواطنة السليمة، كما لا يمكن اعتبار مرتكبي هذه الأعمال، سعوديين كانوا أم أجانب، بأنهم هم المسئولون فقط عن الجريمة، لأنّ من سهّل عملهم وتستر عليهم واستفاد من أعمالهم وسهّل سكنهم أو لم يبلغ عنهم، شركاء أيضاً في الجريمة لا بد من معاقبتهم وكشفهم وفضح تصرفاتهم. وفي اعتقادي أن تسليط الضوء وتركيز الجهد على طرف دون طرف سيحد من فعالية الجهد الأمني، ويقلل من فرص تطهير المجتمع من التصرفات المشينة التي تهدد مرتكزاته الأمنية والمجتمعية، وتزيد من التكلفة الاقتصادية والإدارية لهذه الحملات التي لا يمكن أن تستمر على مدار الساعة, وفي اعتقادي أيضاً أنّ المواطن لا يمكن أن يكون مواطناً وهو يشارك في هدم هذه المرتكزات والثوابت الوطنية .. بعبارة أخرى، المواطنة ليست صفة لفظية مجردة من المضامين العملية، ولكنها مجموعة أعمال وأقوال تسعى في مجملها لتحقيق الرقي الوطني، وكلما كان هنالك تناقض بين الأقوال والأعمال والأهداف الوطنية، كانت الوطنية مجرد لفظ فارغ من المعنى الحقيقي، وكان صاحب هذه الأقوال والأعمال مجرد مقيم على أرض لا يرتبط بها برابط وطني .. فهل نتعامل مع من يسهل عمل المجرمين والإرهابيين ويتستر عليهم وفقاً لهذا المضمون الوطني، ويعاقب على أنه فاقد لمعنى الوطنية؟ .. أتمنى ذلك. |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |