للسياسة قوتها، لكنها لن تستطيع تجاوز الواقع؛ فهو أيضاً له سطوته، وهي - السياسة - تتقوى بهذه السطوة لتكتسب قوة الحجة، ومن ثَمَّ فلن يكون لما يردِّده الأمريكيون ما يسنده عندما يتحدثون عن حركة فلسطينية باعتبار أنها خارجة عن القانون، بل وإرهابية، لمجرد أنها تواجه الاحتلال وتقارعه على أرضها في محاولة للحد من أضراره وحماية مواطنيها. وعندما تتحدث واشنطن بتلك اللهجة فإنها تؤكد ضمناً شرعية ذلك الاحتلال، كما تشير صراحة إلى عدم شرعية الذين يواجهونه. ومثل هذا المنطق هو عين اللاواقعية التي تتسم بها السياسة الأمريكية المنحازة بشدة إلى الاحتلال الإسرائيلي. وهذا هو أس البلاء في منطقتنا؛ إذ القضية الفلسطينية هي القضية المحورية. وعلى الرغم من هذه المعاملة التفضيلية والرعاية الشاملة التي تغدقها الولايات المتحدة على إسرائيل، بما في ذلك محاولات مستمرة لتجميل أفعالها الشائنة، فإن إسرائيل لا تتردد في إحراج الولايات المتحدة، وهي تتعمد ترتيب الإحراجات بحيث تضرب حليفتها وراعيتها بطريقة موجعة؛ لكي تجعل واشنطن تكف عن الانتقادات الخفيفة التي توجهها إليها عندما تكون واشنطن في حاجة إلى إضفاء نوع من التوازن على سياستها وهي منخرطة في خضم عملية سياسية بالمنطقة. ولعل المثال الأقرب إلى ذلك التزامن المقصود للإعلان الإسرائيلي عن توسيع مستوطنتين قرب القدس المحتلة فور انتهاء اجتماع بين وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ورئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في وقت حرصت فيه واشنطن على أن تردد على مسامع الإسرائيليين أهمية الحفاظ على حالة التهدئة مع الفلسطينيين من أجل المشروع الذي تتأهب له إسرائيل والخاص بانسحابها من غزة، وهو مشروع تتبناه واشنطن وتشجعه على الرغم من أنه لا يندرج تحت أية خطة للتسوية، بل هو في الأساس تلبية لحاجات إسرائيلية خاصة تتعلق بعجزها عن مواجهة المقاومة في غزة.
|