المرونة والتكيف النفسي، هي قدرة نفسية وموقف عقلي يتبناه الإنسان ويمارسه ويعززه بالوعي والاستبصار والمعرفة وتبني التفكير الإيجابي. هذه الحقيقة الإنسانية، هي إحدى حقائق ومفاهيم علم النفس الذي هو مجال تخصصي الأكاديمي، وقد عايشت هذه الحقيقة العلمية ولمستها من خلال معايشتي لتجربة صديقة زاملتني أثناء فترة دراستي في أمريكا. هي طالبة إيرانية، تنتمي إلى أسرة أرستقراطية واسعة الثراء، طالبة طموحة تحضر للدراسات العليا في أمريكا. مثقفة ولها اهتمامات وتطلعات علمية ومعرفية تسعى لتحقيقها. تعيش وحيدة في أمريكا مع اثنين من أبنائها، هما كل ما تملكه في هذه الحياة. ولدت ونشأت وفي فمها (ملاعق) من ذهب، حيث تنحدر من أسرة ذات ثراء وجاه في بلدها، عاشت حياة فاخرة ومرفهة، ونعمت بالأمن النفسي والرخاء. ولكنها في الفترات الأخيرة من مراحل حياتها، ولأسباب اجتماعية متداخلة، أصبحت تعيش واقعاً اجتماعياً واقتصادياً بالغ القسوة. تحاول بقدرة جبارة على التكيف والتوافق معه، مع الاحتفاظ بسلامتها النفسية. ورغبة منها في مواصلة مشوارها المعرفي والاستزادة من العلم، سافرت إلى أمريكا بصحبة أبنائها، والتحقت بإحدى الجامعات هناك، سعيدة بأجواء المعرفة ومناخات الثقافة التي تعيشها وتتواصل معها ولكنها، بالطبع، انتقلت إلى العالم الجديد، بنفس ظروفها الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي تعايشها. هي إنسانة ولدت وعاشت معظم حياتها في قصور مرفهة وأحياء سكنية فاخرة، واضطرها الزمان أن تعيش هناك في أحياء متواضعة. وبعد أن كانت تتنقل منذ طفولتها في سيارات فارهة، اضطرت لمدة سنة، قبل أن تشتري سيارة، لاستئجار السيارات المستعملة المتهالكة التي تؤجر بنصف قيمة سيارات الإيجار الأخرى. وفي مواقف الجامعة كانت سيارتها المؤجرة تقف ومرآتها الجانبية ملصوقة بشريط لاصق، لأن عمرها الافتراضي شارف على الانتهاء!! كانت تدفع إيجار شقتها، ثم عليها بعد ذلك أن تتدبر أمورها هي وأبنائها بما يتبقى لديها وهو مبلغ ألف دولار (ما يقارب أربعة آلاف ريال)، لمدة شهر كامل، بما فيه دفع فواتير الخدمات والإعاشة. ويتصادف في بعض الأشهر أن تبقى هي وأبناؤها في البيت خلال الأسبوع الأخير من الشهر، لأن محفظة نقودها خالية إلا من بضع دولارات لا تكفي للتزود بوقود السيارة. تعيش وأبناؤها بمبلغ مقطوع، تماماً كذوي الدخل المحدود، واقع معيشي قاسٍ لا يحتمل مفاجآت علاج أو أي ظرف طارئ. تجبرها ظروفها الاقتصادية أن تهندس حياتها بالقلم والمسطرة، والاستسلام المر، والعد المهين لما تبقى في محفظتها، وتعاني الأرق أحياناً بسبب التفكير في كيفية تدبير أمورها والتزاماتها المادية صباح الغد. انقطعت منذ زمن علاقتها بالأسواق والكماليات والتبضع، واكتفت بعلاقة السوبر ماركت والضروريات من الملابس والمستلزمات. ومن الجدير بالذكر، أنها لا تعيش هذه المفارقة والتحولات المريرة، لأنها تعيش في غربة، بل إن ظروفاً اجتماعية أجبرتها على هذا الواقع المعيشي منذ سنوات عديدة، وليس للغربة دور في ذلك. ومن المفارقات الساخرة، التي شهدتها خلال معايشتي لتجربتها، عندما كانت ترتدي معطفاً من فراء المنك الثمين أثناء الشتاء القارس، هذا المعطف هو دلالة على بقايا ثراء، تترجم المفارقة الساخرة وتفسر المعادلة الإنسانية المتناقضة، وهي أن تقتني قطعة من المقتنيات الفاخرة، ولا تمتلك في حقيبتك سوى دولارات معدودة!! لا شك أن معيشة الحرمان والحاجة، هي معاناة مريرة، ولكن مرارتها مضاعفة وقسوتها أشد وطأة، على عزيز قوم ذل. وبين أن تعيش مرفهاً وأن تعيش نوعاً من الحرمان، هناك مسافة فلكية شاسعة تفصل بين الواقعين. بل هي مسافة تكفي للتدمير النفسي في حال كان الجهاز النفسي والعصبي للإنسان هشاً وقابلاً للكسر. ما شدني في هذه التجربة الإنسانية التي عايشتها عن قرب، هو كون هذه الإنسانة، برغم مرارة التجربة، إلا أنها متماسكة متوافقة مع ذاتها ومع واقعها البالغ التناقض. فهي ثرية وفقيرة في نفس الوقت، واقعها متناقض وداخلها متوافق!! والتوافق في التعريف النفسي، هو حاله من التواؤم والانسجام بين الفرد وبيئته. ويتضمن التوافق قدرة الفرد على تغيير سلوكه وعاداته عندما يواجه موقفا جديداً أو مشكلة اجتماعية أو مادية، تغييراً يناسب هذه الظروف الجديدة. فإذا عجز الفرد عن إقامة هذا التواؤم والانسجام بينه وبين بيئته فإنه يصبح (سيئ التوافق) أو معتل الصحة النفسية. وكما يؤكد أطباء وعلماء النفس أن الأمراض النفسية والعقلية ما هي إلا مظاهر للهزيمة أمام الأزمات في معترك الحياة.
|