كان بطبيعته - دون تكلف أو عناء - يتصرف في كل شيء بصفته واحداً منهم، لم يكن له ما يميزه عنهم، كان مثلهم في ملبسه، ومأكله، ومشربه، ومسكنه، ومركبه. لم يحفل قط بالطعام واللباس كما يحفل به الكبراء والزعماء وأصحاب الجاه والنفوذ، كان يأكل ما يقدم إليه، فإن لم يجد في بيته طعاماً بات على الطوى، ويمر عليه الشهر والشهران وما في بيته غير الأسودين، التمر والماء، لم يزه باللبس قط، ولم يحرص على أن يميز عن غيره من أصحابه بلباس معين، ولا لون خاص به وحده أو أهله دون الناس، فقد لبس العمامة بلا بقلنسوة، ولبس القلنسوة بلا عمامة، ولبس العمامة على القلنسوة، وارتدى القميص والإزار والرداء والبرد والجبة، ابتعد عن كل ما يدعو للخيلاء أو التميز عن الناس، لم يجعل جبته واسعة الأكمام بل ضيقة غير ملفتة، ولم تكن عمامته ثابتة على لون أو حجم معين كانت عمامة صغيرة، قطعة من قماش يلفها على رأسه دونما تصنع أو تكلف يلفت الأنظار إليه. لا يستطيع أحد أن يشهد أن عمامته أو ملبسه ثبت على لون أو شكل من الذين يزهون اليوم بالثبات على لون في العمامة وشكل في اللبس ظناً منهم أنهم يتشبهون به. ما نام على فراش لين قط، ولا اتخذ وسادة ناعمة، كان نومه على بساط خشن يترك آثاره على جلد ظهره وجنبه، ولما دخل بيته مرة ورأى زوجه قد اتخذت له وسادة رقيقة الحشو رحمة به غضب منها، ورفض وضع رأسه عليها. حكمته أنه ما كان يريد حياة اللين واليسر أن تغريه بالنوم والدعة فتثقل عليه العبادة والعمل والجهاد، كان بإمكانه أن يعيش حياة مترفة ما عاشها أحد قبله قط، وكان بإمكانه أن ينافس فخامة إيوان كسرى وبزخ إمبراطور الروم حين عرض عليه قومه أموالهم على أن يترك ما دعاهم إليه فرفض، ولما انتصر وبدأت الأموال تفد إليه من خزائن الأرض، لم يمد إليها نظره، ولم يضع عليها يده، بل قسَّمها بين أصحابه وعاش وأهله على الكفاف. ولما ثارت زوجاته على هذا العيش الكفاف الذي يعيشه وطالبن بسعة في دنياهن، صمت، فجاء الرد من السماء يخاطبه فيه ربه { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (28-29) سورة الأحزاب. واخترن الله والدار الآخرة، وكان في ذلك الاختيار اختيار للحياة معه، فكن بذلك الاختيار أوفر نساء الأرض حظاً في تاريخ البشرية كلها رغم أنهن عشن معه في بيوت لا يتجاوز طولها جميعاً خمسة وعشرين متراً، منها بيت أقربهن إلى قلبه، عائشة، غرفة واحدة مبنية من الطين واللبن، ضيقة، لم تكن تتسع لنومها وصلاته في آن واحد، فكان إذا صلى وسجد وهي نائمة احتاج لرفع رجلها ليسجد مكانها!! ضيق، ولكن ما أعظمه من ضيق، ضيق احتوى سعة الآخرة، جنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا}(54) سورة القصص. أما في جلوسه مع أصحابه فلم يكن يتصدر المجالس، ولا يثير ما يلفت النظر إليها إذا أقبل لكي يفسح الناس له المكان في صدر المجلس كما يفعل البعض في هذه الأيام، بل كان يدخل في صمت بعد أن يسلم، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، لا يكاد يميز عنهم بشيء، حتى إن الرجل الذي لا يعرفه يدخل مجلسه ويسأل: (أيكم محمد؟!). ولما حاول بعض أصحابه الوقوف احتراماً له عند دخوله، نهاهم عن ذلك، وقال كلمة ما أحوج المسلمين لإدراكها هذه الأيام، قال: (من سرَّه أن يرى الناس قياماً له فليتبوأ مقعده من النار) وقال لآخر هابه لما رآه: (على رسلك، فما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة). ولم يحذر أصحابه من شيء كما حذر من الظلم، ولم يحثهم على التمسك بشيء كما حثهم على التمسك بالعدل، ذلك أمر ربه له ولهم {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (42) سورة المائدة. وما أكثر ما ردد عليهم مذكراً بوعيد ربه للظالمين {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}(21)سورة الأنعام. {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(113) سورة هود، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} (42) سورة إبراهيم، فكان أول الناس في إقامة العدل على نفسه وأهله، فالعدل لا يعرف النسب أو المكانة، حدث معه يوم بدر وهو يمر على الصفوف يعدلها ويتأكد من جاهزيتها، أن مر بأحد أصحابه سواد بن غزية، فوجده خارج الصف، فطعنه طعنةً خفيفة بعصاه ليستوي في الصف، فقال له سواد: (لقد أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فدعني اقتص منك، فما كان من نبيه وقائده رسول الله إلا أن كشف له بطنه ليقتص منه، فهجم سواد عليها وقبَّلها وقال يا رسول الله: أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك وأنا متوجه للجهاد في سبيل الله). فدعا له رسول الله بالخير. ولما جاء أسامة بن زيد من أحب خلق الله إليه يشفع في فتاة سرقت، فتاة من بني مخزوم، ثالث أسرة في قريش شرفاً بعد بني هاشم وبني أمية، الأسرة التي ينتمي إليها أعظم قادة الفتوح الإسلامية خالد بن الوليد، غضب من شفقة أصحابه عليها، رفض الشفاعة، وقال كلمته الشهيرة: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم، الضعيف، أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رواه مسلم. وللحديث صلة في الأسبوع المقبل إن شاء الله.
|