Thursday 23rd June,200511956العددالخميس 16 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "دوليات"

وت للمرة الأولى قصة صباح المأساة بين باريس وبيروت..نازك رفيق الحريري في حديث ل(الصياد):وت للمرة الأولى قصة صباح المأساة بين باريس وبيروت..نازك رفيق الحريري في حديث ل(الصياد):
هزّني هاتف حزين وأنبأني قلبي أن الفاجعة قد وقعت!!

روت السيدة نازك رفيق الحريري للمرة الأولى، كيف تلقت نبأ اغتيال رفيق العمر، وفتحت قلبها الحزين ل(الصياد)، وقالت: إن صباح الرابع عشر من شباط/ فبراير صباح أسود، داكن، في باريس كانت الطبيعة غاضبة قاسية.
وأوضحت السيدة نازك: هزني الهاتف في منزلنا الباريسي، لإعلامي بالجريمة المروعة، حاولوا أن يخففوا عني وقع الحدث، بأنه ما زال هناك أمل، لكن قلبي كان يقول لي إن الفاجعة وقعت.
وقالت عقيلة الرئيس الشهيد: إن الفرنسيين تقبلوا الفاجعة، وكأنهم أبناء وطننا الطيب من الرئيس جاك شيراك إلى السيدة الفرنسية الأولى برناديت.
وسألتها (الصياد) ماذا كان شعورك لدى عودتك من فرنسا إلى لبنان. وأجابت السيدة نازك: عندما حطت بي الطائرة في بيروت كان ينتابني شعور كبير بالفراغ، لأن حبيب العمر، لن يكون في المنزل لاستقبالي كما اعتاد أن يفعل.
وتابعت: كان أهل لبنان الذين أحبهم رفيق وأحبوه قد سبقوني إلى قريطم، وقد عبروا عن عاطفتهم، وأبقوه حيا في مناسبة تشييعه، وأبقوه حياً في قلوبهم، في 14 آذار عندما أجمعوا على المطالبة بمعرفة الحقيقة، حقيقة من خطط ومن شارك ومن نفذ الجريمة.
كشفت رفيقة درب الشهيد أنه كان دائما يستعيد أيام الشباب الأولى عندما كان يحلم بالمستقبل، ويأخذ من عميد (دار الصياد) سعيد فريحة ما اكتسبه من خبرة، وما ترسخ لديه من إيمان بالوطن الصغير، وهذه هي وقائع الحوار:
* الحديث عندنا في (دار الصياد) عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري مرتبط إلى جانب أبعاده الوطنية والإنمائية العامة برباط عاطفي عز نظيره. فقد ذكر الفقيد مراراً أنه عمل في الدار ونوه، اعترافا منه بالجميل، بأن عميدنا الراحل سعيد فريحة قد توسم فيه الخير والبركة والأمل الكبير. وقد أشار الرئيس الراحل لعلاقته ب(دار الصياد) حيث بدأ العمل فيها مبكراً، وكان أبان رئاسته للحكومة يتعامل مع (الأنوار) كما لو أنها الصحيفة الشقيقة والرديفة (للمستقبل). ما هي ذكرياتك في هذا الصدد وكيف عايشت هذه الذكريات العزيزة على قلوبنا جميعاً؟
- الحديث عن (دار الصياد) وعلاقة الرئيس الشهيد بها وبمؤسس هذه الدار الكاتب والصحافي الكبير سعيد فريحة حديث يطول.. بالطبع أذكر أنه كلما كنا نأتي على ذكر عصام وبسام والهام فريحة، أو على ذكر (الصياد) و(الأنوار) أو (الشبكة) كان يستعيد ذكرى أيام الشباب الأولى، عندما كان يحلم بالمستقبل الموعود، ويتعلم من عميد الدار. أذكره يعدد كل ما اكتسبه هناك من خبرة وما ترسخ لديه من إيمان الوطن الصغير واستقلاله وعروبته ووحدته الوطنية.
كيف لي أن أنسى.. كيف كانت تلمع عيناه بأضواء الماضي وهو يقود السيارة، وأنا إلى جانبه، ونحن نمر في الحازمية، باتجاه الجبل، أمام (دار الصياد)، إذ كان يهتف: هنا بدايات عملي.. هنا كانت أصالة الوحدة الوطنية والعروبة المتفتحة!.
* كيف تبلغت نبأ الجريمة وما كانت ردة الفعل؟ ومن كان إلى جانبك في حينها؟
- كان صباح يوم داكن في باريس، ملبداً بالغيوم السوداء. كانت الطبيعة فيه غاضبة قاسية.
هزَّني الهاتف في منزلنا في باريس لإعلامي عن الجريمة المروعة.. حاولوا أن يخففوا عني وقع الحدث بأنه ما زال هناك أمل. لكني لم أصدق تطمينهم لي. قلبي كان يقول لي إن الفاجعة وقعت. اتكأت على كرسي قريب وحاولت ان استمد القوة بالصلاة لمواجهة ما ينتظرني وأنا استعد للعودة إلى بيروت. بدأ الأصدقاء والمحبون يتوافدون إلى المنزل. بقوا إلى جانبي، لكني في تلك اللحظة كنت أشعر بأني وحيدة.. وحيدة.
* كيف تقبلت الأوساط الفرنسية النبأ من وجهة نظرك؟
- تقبل الفرنسيون نبأ الفاجعة وكأنهم من أبناء وطننا الطيب. من الرئيس جاك شيراك والسيدة الفرنسية الأولى برناديت إلى المواطن الفرنسي العادي كانوا في حالة وجوم وعدم تصديق لما حدث. لن أنسى العاطفة الصادقة التي أحاطنا بها الرئيس الفرنسي وعائلته منذ اللحظة الأولى حتى الآن.
لم يشأ الفرنسيون أن يصدقوا أن الكيد والحقد والكراهية يمكن أن تبلغ حد اغتيال رجل كان رائداً للخير والمحبة والاحسان في حياته.
* ما كان شعورك لدى عودتك إلى بيروت من فرنسا؟
- عندما حطت بي الطائرة في بيروت كان ينتابني شعور كبير بالفراغ. رفيق الدرب، حبيب العمر لن يكون في المنزل لاستقبالي، كما اعتاد أن يفعل. ذكرت ايمانه العميق بالله وتسلّحت بالصبر والدعاء وبالامتثال إلى مشيئة الله. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.
*هل توقعت هذا الالتفاف الوطني الجامع منذ لحظة الاغتيال وخلال التشييع وما بعده؟
- كان أهل لبنان الذين أحبهم رفيق وأحبوه قد سبقوني إلى دارتنا في قريطم وقد عبّروا عن عاطفتهم هذه في مناسبة تشييعه، وأبقوه حيا في قلوبهم والتفوا حوله في 14 آذار عندما أجمعوا على المطالبة بمعرفة الحقيقة، حقيقة من خطط ومن شارك ومن نفذ الجريمة التي استشهد فيها الرئيس رفيق الحريري، واستشهد معه صديقه باسل فليحان ومرافقوه الأبرار، عدا المواطنين الأبرياء.
أبى الشعب في لبنان إلا أن يبادل رفيق الحريري الحب بالحب، والشهادة بالوفاء الكبير الذي يعبّر عنه كل يوم وفي كل مناسبة. إن هذه المشاعر النبيلة وحدت اللبنانيين من مختلف مناطقهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم. وإن لساني، ولسان العائلة، يعجز عن التعبير عن شكرنا وامتناننا.
* هل أسرَّ لك الرئيس الشهيد قبل اغتياله بخوفه على حياته؟
- كان يرفض أمامنا أن يعترف بخوفه على حياته خوفا علينا من أن نخاف، كان يريدنا مصدر دعم وقوة لمسيرته. الوطن بالنسبة إليه كان عنفوانا وكذلك يجب أن يبقى على مر الأيام. ثم، إن الدول الكبرى كانت قد طمأنته على حياته. وهو كان يرى أنه لا يوجد هناك من هو أكبر من وطنه مهما علا شأنه وكبر. لذا لا خوف إلا من قدر العلي القدير. والشهادة مع الموت تبقى قدرا لا يرد خاصة إذا جاءت فداء للوطن وغده الموعود؟
* هل أنت مطمئنة للمسار الذي اتخذته الأمم المتحدة فيما يتعلق بالتحقيق بالجريمة؟
- بقدر ما اقلقني بداية مسار التحقيق في لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد والتصرفات التي سبقت الاغتيال، بقدر ما أنا مطمئنة إلى مسيرة الأمم المتحدة فيما يتعلق بالتحقيق في الجريمة والترتيبات التي اتخذت حتى الآن. وقد استقبلت رئيس لجنة التحقيق في قريطم وخرجت من اجتماعي معه بالاطمئنان الى جديته وموضوعيته ورفضه للظلم، وأهمية نتائج التحقيق هي، في المحصلة النهائية، من أجل لبنان ومستقبل اللبنانيين. من أجل الديمقراطية وحمل رايتها بلا خوف ولا وجل.
* بعد أكثر من ثلاثة أشهر على اغتيال الرئيس الشهيد، لا زلت تزورين الضريح بانتظام ما هو شعورك وأنت واقفة تصلين؟
- سأبقى أقف أمام ضريح الرئيس الشهيد وأنا افتح يدي وقلبي يردد:(بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين).
أما شعوري فهو الشوق إليه مع الإيمان برب العالمين. أشعر بأني لا أستطيع أن أصل إليه إلا بإيماني. فربي زدني إيمانا وأنت دون سواك طريقي إليه يا أرحم الراحمين.
* مما لا شك فيه أن دعمك الكبير للشيخ سعد والحنو الوالدي الذي توفرينه له كانا من أبرز العوامل التي دفعته الى حمل الأمانة، فإلى أي حد يشبه الشيخ سعد والده منذ بدأ بممارسة هذا الحمل وكيف سيكون دعمك له في تحمل المسؤوليات الضخمة التي تنتظره والآمال العظام الملقاة على كاهله؟
- مسؤولية ولدنا سعد باتت كبيرة. وحمله ثقيل. والعائلة من بعد استشهاد عميدها باتت ملتزمة بإكمال مسيرته ومتابعة الإرث الكبير الذي تركه سواء بشقه الانساني والاجتماعي أم بشقه السياسي والوطني. لقد فرضت علينا الأيام خيارات صعبة. ولكن الله عز وجل قد أكرمنا بأبناء لهم من علمهم وتربيتهم ومحبتهم ووفائهم ما يسمح بتجاوز هذه الصعوبات. المهم أن نحسن الخيار وأن نستلهم في مواجهة التحديات أفضل القرارات. ولعل أفضل القرارات هي تلك التي تولد من الشورى. ولعل ما يسهل لنا التقدم في مسيرتنا هو وجود رفيق حيا بيننا كقدوة تحتذى. أنه المثل والمقياس لكل خطواتنا. وما نريد نحن تحقيقه من خلال عملنا السياسي هو ما كان الشهيد يريد تحقيقه في حياته. دعائي ودعاء العائلة أن يحمي العلي القدير ولدنا سعد في موقعه الجديد ويسدد خطاه نحو الأفضل والأكمل.
* المسؤوليات الانسانية التي كان الرئيس الشهيد يضطلع بها عديدة ومتشعبة. كيف ستواصلين الرسالة وقد كان الوفاء ولم يزل من شيم آل الحريري وتقليداً لا يحيدون عنه؟
- المسؤوليات التي كان الرئيس الشهيد يحملها على كتفيه كانت تقصم الظهر ولولا ايمانه بربه لما قدر على إكمال المسيرة بكل أثقالها.
تسألينني كيف سأواصل الرسالة وأنت أجبت على السؤال بخير جواب عندما قلت أن الوفاء من شيم آل الحريري. مع الوفاء تهون الصعاب وتتضح معالم الخطوات وتتحقق الرسالة المرجوة.
* عرف عنك حبك للأعمال الإنسانية قبل استشهاد الرئيس الحريري. هل زاد هذا الحب اليوم؟
- العمل الانساني هو رؤية في هذه الحياة. هو فعل إيمان. ولعل هذه الرؤية بالذات هي التي جمعت بيني وبين الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل استشهاده فجعلت من حبنا رباطا مقدسا يعتز به الأبناء من بعدنا.
* ماذا يعني العمل الإنساني؟
- قبل أي أمر آخر هو أن إنسان يفكر بأخيه الإنسان كائنا من كان. ثم شعورك بالالتزام تجاه حياة الآخرين وسعادتهم. وأنك من بعد كل هذا إنسان مؤمن بيومك والآخرة وبإرادة رب العالمين. وقد أوصانا ربنا العلي القدير بالرحمة والتعاطف ومحبة الإنسان لأخيه الانسان وفي كل ذلك نعمة تسعد قلوب المؤمنين.
* هل زاد هذا الحب من بعد استشهاد رفيق؟
- ترى.. هل بقي لي من بعد رحيله سوى هذا الحب بالذات.. سوى محبة الناس وحب الوطن الذي أحب حتى الشهادة؟!
* كيف تصفين الرئيس الحريري بعيداً عن السياسة؟
- ما كانت السياسة غريما لي في علاقتي بالرئيس الشهيد. فالسياسة لديه كانت محبة وطن وتعلقا بالناس ومن محبته هذه زاد حبي لرفيق.
رفيق الحريري بعيداً عن السياسة.. كان الزوج الذي يحيطني بحبه الكبير، ويستبق مشاعري، فيجعلني أتيقن بأني محور حياته.. كان الأب الحنون الذي يخص كلا من أولاده بمكانة خاصة في قلبه ..
* كيف تتعاملين مع هذا الواقع الصعب.. مع هذا الغياب؟
- أنا لا أتعامل مع هذا الواقع المؤلم.. أنا أحاول أن أعيش مع ماضي الأيام لأنها الأيام التي عشتها معه وبرفقته وجواره.
كان يردد دائما أن ليس هناك من هو أكبر من وطنه كائنا من كان. وأنا أقول: كان كبيراً يستمد كبره من كبر وطنه لبنان في قلبه الكبير.
* ماهي الذكرى الاستثنائية التي تحملينها عن الرئيس الشهيد؟
- ذكرى استثنائية؟ كل ذكرياتي معه استثنائية. لا يختصر رفيق الحريري بذكرى واحدة مهما كانت مهمة. الذي أذكره والغصة في حلقي أني عرفت في حياتي رفيق الحريري.. ولقد كان رجلاً استثنائيا في كل لحظة مرت على رفقتنا معا.
* ماذا تقولين للرئيس الحريري اليوم وهو في عالم الحق؟
- أقول له في عالم الحق:(يا رفيق دربي.. يا أحب الناس.. يا شهيد الشهداء. إنا من بعدك في يتم أقسى من الموت على قلوب المحبين وفوق كل الكلمات).
يا رفيق الأيام الغالية، أنت معي في كل مكان.
اذكر باحة محمد الأمين في ساحة الحرية.. واذكر كل تلك الأعلام مرفوعة لوطننا لبنان.. تحييك وتطالب بمعرفة الحقيقة.. فأبتسم.. وأبكي.. وأهتف من أعماق الأعماق:{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved