وكأن الفلسطينيين لا يكفيهم ظلم واضطهاد المحتلين الإسرائيليين الذين يذيقونهم يومياً العذاب، يقتلون أبناءهم ويهدمون منازلهم ويجرفون مزارعهم. كأن هذه الأعمال لا تشفع لدى أشقائهم من العرب والمسلمين بمعاملتهم معاملة حسنة كلاجئين في البلدان العربية والإسلامية، خاصة وأنهم أي الفلسطينيين أقاموا في هذه البلدان منذ أيام النكبة وحتى الآن، وساهموا في تنميتها وشاركوا أهلها الأحزان والمسرات ويعتبرون تلك البلدان بلدانهم، لا يفضلون عليها أي بلد آخر سوى وطنهم السليب، حيث ينتظرون بأحر من الجمر تحرير فلسطين ليعودوا إلى أرضهم.. ولكن بعض هذه الدول لا تتحمل استضافة الفلسطينيين، فما أن تظهر مشكلة سياسية مثلما حصل بين النظام الليبي ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين وظلوا مدة طويلة عالقين على الحدود بين مصر وليبيا بعد طرد القذافي لهم. وبعد تغير النظام في العراق بعد الاحتلال الأمريكي تكرر الوضع مع الفلسطينيين ولكن بصورة أشد، فبدلاً من تكرار فعلة القذافي تلجأ الجماعات المسلحة وجميعها مرتبطة بالنظام الجديد بالانتقام من الفلسطينيين، إما بالقتل وإما بالاعتقال وتوجيه تهمة المشاركة في العمليات الإرهابية التي تحصل في العراق، وفي الشهر الماضي فقط وحسب ما وصلني من رسائل تم رصدها، حيث: * في 16-5-2005م تعرض حي البلديات في بغداد لاقتحام مباشر وإطلاق نار عشوائي اخترق البيوت وزجاج النوافذ وخزانات المياه، كما جرى اعتقال عدد من الفلسطينيين وقد ظهرت عليهم آثار التعذيب حينما عرضت صورهم مساء اليوم التالي قناة (العراقية) الفضائية. * 16-5-2005م اغتيل اللاجئ الفلسطيني يوسف إبراهيم أحمد القاروط مدير مدرسة النضال الشعبي في منطقة اللطيفية شرق بغداد. * 16-5-2005م أيضا قامت عدة سيارات بإغلاق الطرق المؤدية إلى حي البلديات وإطلاق نار كثيف على واجهات البنايات والاعتداء بالضرب المبرح على المارة الفلسطينيين وإطلاق سيل من الشتائم بحقهم. * 27-5-2005م تكرر الأمر نفسه حيث قامت سيارات تابعة لمركز الشرطة القريب من حي البلديات بإطلاق نيران عشوائية واستفزازية على البنايات والمحال التجارية في الحي المذكور، وسط الصراخ والشتائم أثناء سريان حظر التجول وعدم وجود أحد في الشوارع. * وخلال شهر أيار ذاته قامت جهات عراقية مشبوهة بتدمير عدد كبير من المحلات التي يملكها الفلسطينيون ونهب محتوياتها في أماكن عدة من بغداد. * وبتاريخ 7-6-2005م وفي انتهاك جديد لكل الأعراف والقوانين الدولية واعتداء صارخ يستهدف الوجود الفلسطيني في العراق، جرى إظهار ثلاثة فلسطينيين أبرياء على شاشة قناة (الفرات) العراقية واعترافهم بجرائم لم يرتكبوها تحت ظروف قمعية واستبدادية، وضمن مسلسل عنصري وطائفي لا أخلاقي، علماً أن أحد هؤلاء جرى اعتقاله من قبل قوات مغاوير الداخلية لكونه فلسطينياً فقط، وقد كان يعمل مدرسا لمادة الكيمياء لأكثر من عشرين سنة في إحدى المدارس المتميزة في بغداد، وسيرته وسلوكه يعرفهما القاصي والداني من الفلسطينيين والعراقيين الذين يعيش بينهم. هذه الأحداث وما تبعها وما سيلحقها تجعل جميع الفلسطينيين في العراق يعيشون وضعاً مرعباً، حيث ينتظرون إما القتل وإما الاعتقال أو التشهير بهم، وذلك بإجبارهم على الظهور في الفضائيات العراقية كمشاركين في أعمال إرهابية لا يعرفون عنها شيئا.. ومع هذا لا تزال الحكومة الفلسطينية صامتة وكأن الأمر لا يعنيها، مثلما صمتت إبان مأساة الفلسطينيين في ليبيا، رغم أن لفلسطين وزيرين للخارجية يتنازعان على المنصب، دون أن يكلف أحدهما أحد سفرائه ودبلوماسييه - وما أكثرهم - بمتابعة مأساة من يتخاصمون على التحدث باسمهم.
|