أَغْلَقَ مكتبَه... كومةُ الأوْراقِ أمَامَه تقضُّ سِنَةً تُراودُ جَفْنَيْه.. اللَّيلةُ التي عبرت، انكفأ طويلاً يراجع بصمَة توقيعه... أرتالٌ من الحروف تتقافز أمام عينيه، رنينُ الهواتفِ بجواره، برد كوبُ الشَّاي، والآخرُ، والثالثُ... الذَّي يرافقه مهمُّة المراجعة، وتحديد مواعيد الخطوات إليه، وعنه يقدِّم له كوباً من عصير الشَّمام ممزوجاً بالحليب، يعلم أنَّه الَّذي تتحرَّك له ذائقة رُوائه... يخرج الَّذي معه... دمثٌ، ما أجملَ حلَّة تتزيَّا بها نفسُ هذا الشَّاب، تماماً كما هو أنيقٌ في مظهره، أنيقٌ في لفظه، الأوراقُ بين يديه... صدى كلماتٍ سقطتْ لأكثرَ من مرَّة في أذنيه... الحروفُ تتراقصُ أمام عينيه، الأصواتُ تتعالى من خلف باب مكتبه!! تتجمَّع في حلقاتٍ دائرية كلُّ الدّلالات المتكوِّمة داخل تجويفة رأسه: هذه الشَّكاوي، هذا الاحتجاج، تلك التَّقارير، هذه الأصوات!! أيُعقل؟! هذا الدَّمث ويداه تمتدَّان بكوب العصير يميل إلى بياض... ملوَّثةٌ هذه الحقيقة... نهض، فتح باب مكتبه، بسرعة لمحةٍ خاطفةٍ قرأ اللَّوحة طبَّق ما رأى بما سمع بما قرأ... أدرك أنَّ عليه أن يذهب يراجع بصمات اسمه موقَّعةً مفاتيحَ دموعٍ، رافعةً أكفَّ تظلّمٍ، خافضةً دعاءَ انتقام، باعثةً حنقَ صدورٍ... سالبةً حقاً، متحيِّزةً لباطلٍ.... تراوده أناقة ذلك الشَّاب... بياضُ ثوبه... رخاوةُ صوته... بشاشةُ وجهه... ما الَّذي تخفيه تلك السُّحنة؟! أشرع أبوابه... سمح للجميع بالدخول، فضَّ أوراقه سمح للجميع بالمراجعة... وجد نفسه في حين غفلة... يلمُّ ليله ونهاره، يكشحهما في وجه الأصوات... وينكفئ على توقيعه، يزيل عنه ظُلْمةَ البَصْمة.
|