لي صديق ابن عائلة ثرية، ابتلاه الله بحرفة الأدب دون سواه من إخوانه الخمسة الذين يحترفون الأعمال الحرة، حدثني أنّ أباه، وبعد أن بلغ من العمر عتيّا، وفي ابتعاد أفراد العائلة عن بعضهم البعض بسبب اللهاث خلف (القرنقش)، بحيث لم يعد أحدهم يعرف عن الآخر شيئاً .. أقول حدثني ذلك الصديق أنّ (الوالد) حينما جمع (عياله)، وسأل كلاًّ منهم ماذا يعمل، قال الأول: أنا لديّ معرضٌ للسيارات، فقال الوالد حسناً: إذن تبيع السيارات. وقال الثاني: أنا لديّ مخازن للمواد الغذائية. فقال الوالد: حسناً إذن تبيع مواد غذائية. فقال الثالث: أنا لديّ مصنعٌ للإسمنت. فقال الوالد: حسناً إذن تبيع الإسمنت. فقال الرابع: أنا لديّ سوقٌ للأقمشة. فقال الأب: حسناً إذن تبيع الملابس. وهنا التفت الأب إلى صاحبي وقال: هاه (يا ولداه ماذا تعمل أنت(؟! .. حينها قال صاحبي إنّني انتفشت كالطاؤوس، وأخذت رقبتي تعلو حتى كادت تصطدم بالسقف، وعلى طريقة المفكرين الكبار تنحنحت، وكدت أن أشعل الغليون لولا حضور الوالد!! فقلت له يا والدي أنا أديب! فقال الوالد حسناً، أنا أعرف أنّك مؤدَّب منذ صغرك ولكن ماذا تشتغل؟! وهنا قال صاحبي بكلِّ زهو: أشتغل في الأدب، وأنشر مقالات في الصحافة. وهنا حدجه الوالد بنظرة تنمُّ عن الازدراء، وقال له: أفهم أنّك إذن تبيع الكلام!! مثلما يبيع إخوانك القماش والإسمنت والمواد الغذائية، وهنا أردف (الشايب): يا للخيبة .. يا للخيبة، ماذا أقول لتجار البلد؟! هل أقول لهم إنّ ابن فلان الفلاني (يبيع حكي؟!!) واعيباه .. (أخس عليك)!! ثم ماذا ستطعم أولادك؟ هل تغديهم رواية، وتعشيهم شعراً، وتعمل لهم مقبلات من قصاصات الجرائد؛ يا للعار والشنار .. وهنا حاولت أن أفهم الوالد أنّ الأدب حرفة سامية ونبيلة، تفيد الناس والوطن والأُمَّة، وأنّ (الاضطلاع) بها رسالة لا يقدر أن يحملها أحد سوى أصحاب الضمائر اليقظة والأفكار النيِّرة، ورحت أسلِّط الضوء على دور الأديب في (تنوير الأُمَّة) ... والخ الخ من الكلام (المثالي) المنمَّق الذي تعلَّمناه في الكتب ولكن هيهات، لقد أشاح الوالد عني وهو ينفض يديه هكذا (خرابيط .. برابيط) (فكّني الله يخليك). * * * ومن يومها وصديقي المسكين يكاد أن يكون (عالة) على إخوانه لأنّ الأدب بالفعل - وكما قيل - لا يطعم خبزاً، أو كما يقول العرب لمن يفتقر (لقد أدركته حرفة الأدب). * * * نقول هذا الكلام بمناسبة الفرحة (الكبرى) بقيام صندوق الأديب في (نادي أبها الأدبي) باعتبار أنّ هذه الخطوة خطوة رائدة تقي الأديب (غائلة) حرفة الفقر وذل الحاجة .. لذا نرجو تعميم هذه الفكرة إلى كافة الأندية لئلا يعيش أدباؤنا شحاذين على أبواب المحسنين.
|