Thursday 23rd June,200511956العددالخميس 16 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "سماء النجوم"

ليس هذا كل شيء!!ليس هذا كل شيء!!
أحمد آل مريع

الساعة الخشبية أعلى الجدار تشير إلى الثانية صباحاً المكتب الوثير يبدو ساكناً ما خلا نسمات عليلة تتسلل برقة متناهية عبر باب الشرفة المشرعة على الوادي لتبعث بأطراف الأوراق المتكدسة على المنضدة. كان أبي وقتها مستنداً على حائط الشرفة المشرعة مرسلاً بصره خلف الظلام المحيط بكل شيء حول بيتنا وضوء خافت يضيء إحدى زوايا الفناء.
كنت للتو قد فرغت من تنظيم الحقيبة المدرسية لأختي الصغرى استعداداً ليوم جديد كان الجو بديعاً والمساء هادئاً إلا من نباح متقطع قادم من قلب الظلام خلف الوادي.
ظهر لي أن والدي لم يشعر بوجودي في الحجرة مؤكد أن فكرة خصبة تسيطر على تفكيره فمفكر مثله لا يستغرق في هذا الصمت دون أن يصارع حلماً ما، هذا يؤكده قلمه الرصاص المبري بعناية والأوراق المجموعة بحرص شديد.
اقتحمت باحترام خلوته في الشرفة دون أن أنبس بحرف
رمقني بنظرة خاطفة ثم عاد فأرسل بصره وراء المجهول،
كل شيء ساكن من حولنا، حتى تلك المعركة غير المتكافئة بين ضوء المصباح الخافت وبين جيوش الظلام المتكالبة عليه كانت بدون أصوات.
أكره السكوت الدائم، أشعر أنه يجعلني في مقابلة نفسي المحيطة، هذه السنة الثانية بعد تخرجي من الجامعة ولم أتسلم وظيفتي المستحقة كانت هذه الفكرة الوحيدة المسيطرة علي طوال وقت الفراغ.. لم يقطع تسلسل أفكاري إلا صوت والدي يشق سكون المكان.
- ياسمين - ألا يوحي لك هذا المشهد بشيء!
وأشار بسبابته إلى جحافل الظلام وهي تتكالب على الفارس الوحيد بزاوية الفناء الشرقية وأردف قائلاً: هناك عند المصباح!!
- قلت متصنعة الحكمة: الأمل.. الطموح!!
كنت أود أن أبدو مثالية ظننته يحدثني عن معاناتي ويزف لي شيئاً من الطمأنينة لأعود إلى سكينتي..
كان ما يفكر به أبعد بكثير من حدسي المتسرع واصل والدي:
- الجهل والظلم والباطل مهما تكالبت على الحق لن تستطيع قتله.. قد تحاصره.. قد تضيّق عليه.. قد تعزله عما حوله.. لكن سلطان الحق يا بنتي يأبى أن يتلاشى.. ولو انعزل..
ولو كان فرداً.. الفرد وحده أمة!!
صمت طويلاً وهو يرسل بصره باتجاه الجنوب وراء عدوة الوادي القصية: حيث غابة كثيفة من الأشجار الجبلية يلفها الظلام ثم قال دون أن يلتفت إلي:
- انصتي.. هل تسمعين شيئاً؟!
- لا.. لا.. فقط نباح.. أصوات بعيدة لكلاب مسعورة!!
- ليس هذا كل شيء!!
تلك هي الحقيقة الحاضرة هنا.. أما الحقيقة الكامنة فهناك..
العالم.. كل العالم هناك يا بنتي!!
قال الكلمة الأخيرة وهو ينظر إلي ثم أخذ يتوكأ على عصاه نازلاً.. تبعته ببصري حتى غاب عني وسط الظلام.. عدت وحيدة.. أخذت أتأمل المعركة بين الظلمة والنور.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved