يكثر الحديث بين وقت وآخر عن المرأة، وقضيتها وكأنها كانت نسياً منسياً، في شرع الله وعلى ألسنة أنبيائه منذ خلقها الله سبحانه، من ضلع آدم وحتى اليوم، فتكثر الشعارات، وتتعدد المسميات ولن أتعرض للتاريخ الطويل الذي مرت به المرأة، وخصوصاً في ديار الغرب والشرق، عند الوثنيين، وفي معتقدات أهل الكتاب قبل وبعد أن بدلوا في كتبهم. ويكفي في ذلك، ما تحدث فيه المنصفون في تاريخهم، ومقارنة حالتهم، بالنسبة للمرأة، وبما حصل في الإسلام، وبخاصة بول ديورانت في قصة الحضارة الذي بين مكانتها في الإسلام، ثم ما انحدرت إليه مكانة المرأة في أوروبا قبل النهضة الحديثة. أما الديموقراطيتان: فأولاهما ديموقراطية الإسلام الذي رفع الله بها المرأة وأعطاها حقوقاً وكرمها، بل خُصَّتْ بإفرادها في شرع الله بالمخاطبة لوحدها وبُيّنَت الأمور التي من خصوصياتها بأحكامها في التشريع والعبادات والحقوق المالية والشخصية وغير ذلك. أما الأمور المشتركة بين المرأة والرجل فترد بدون تمييز بتوجيه عام ما لم يأتِ تخصيص.. وهذه الديموقراطية حسب الاصطلاح الغربي هي من الهدي الرباني العالم سبحانه بأحوال البشر، وما هو أنفع لهم في كل مكان وزمان. أما الديموقراطية الأخرى فهي من وضع البشر، وسمات البشر القصور والخطأ والنسيان يقول سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}(82) سورة النساء. إذ يكفي الاطلاع على التنظيمات وما يطرأ عليها من تعديل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء بعدما بدلوا شرع الله. وقد حذر أمته من ذلك، فهؤلاء في ديموقراطيتهم يريدون المرأة المسلمة أن تتخلى عما هيأها الله له.. أمَّاً تمنح أطفالها المودة والمحبة وزوجة ترعى مملكتها الصغيرة لتشعَّ من جنباتها السكينة والألفة وفق أمر الله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (21)سورة الروم. ليتواصل النماء، وينتظم عمار الكون، في المهمة التي خلق الله البشر لأجلها بل ما أعظم مكانة الأم وحقوقها براً وصلة، فقد جعل الله رضاها والجنة تحت أقدامها. كما رعت تعاليم الإسلام البنات والإحسان إليهن وتربيتهن وتعليمهن وحسن الولاية واختيار الكفء لِتَسْعَدَ به زوجاً، حيث بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من قام بذلك محتسباً بمنزلة في الجنة. إن ديموقراطية الإسلام نحو المرأة، هي أوامر من الله ووضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقتها نساء الصحابة برغبة واستجابة والله سبحانه هو الأعلم بما يصلح أحوالهم، وما يستقيم به معاشهم وديموقراطية الغرب التي فرضها على المجتمعات الإسلامية يكتنفها القصور وضج منها مفكروهم ونساؤهم ولمن يريد الدليل المادي يزور دور العجزة والمسنين ليجد ردود الفعل من النساء أنفسهن فأيهما أجدى للمرأة ما أعطاها الله أم ما حرمتها منه البشرية بقوانينها المجحفة؟؟!! وقد كنت تحدثت في هذا المجال بكتابين لي صدرا منذ عقدين تقريباً، نشرتهما دار الصحوة في القاهرة، أحدهما: حماية الإسلام للمرأة، خرج في طبعته الأولى عام 1405 - 1985م والثاني: المرأة بين نور الإسلام وظلام الجاهلية، خرج في طبعته الأولى عام 1409هـ - 1988م ولم يطبعا بعد ذلك. وقد مرَّ في أحدهما واحد من كبار الكتاب في مصر، ومما قال: هذا الكتاب قضية ستظل مطروحة على ساحة الفكر ما دام هناك من يريدون المتاجرة بالمرأة، وابتذالها باسم حريتها مع أن المرأة حرة منذ خلقت تماماً مثل الرجل وإذا كانت المرأة قد استعبدت، أو هضمت حقاً في بعض العصور، فالرجل أيضاً والشعوب كلها استعبدت وهضمت حقوقها في كثير من فترات التاريخ. إلا أن الإسلام لا يعرف هذه الحواجز، أو السدود بين الرجل والمرأة، بل الأمر كما قال الله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(22) سورة البقرة. وإن تكريم الإسلام للمرأة جزء من تكريمه للإنسان، وللرجل أيضاً وليست المرأة شيئاً منفصلاً عن الرجل بل هي أمه أو أخته أو ابنته وشريكة حياته أ.هـ. لقد زرت بلاد الغرب.. في أمريكا وأوروبا واستراليا، واستقيت بعض الوقائع الحية في كتابي الآنفين، مما يدور في مجتمعاتهم، وما طفح على كتبهم وإعلامهم ونموذج ذلك في عام 1985م انبرت صحفية أمريكية لمهاجمة التوراة والإنجيل ورجال الدين عندهم، واتهمت الجميع بنكران حق المرأة، حيث لم يأتِ لها ذكر في الأناجيل ولا العهد القديم بينما الإسلام أعطاها مكانة رفيعة، فخاطبها إلى جانب الرجل، وجعلها جوهرة مصونة وبين لها حقوقاً انفردت بها بالخصوصية ومع الرجل فيما يشتركان فيه، واستدلت ببعض الآيات مثل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}(35)) سورة الأحزاب. ولكي نعتبر فإن الحق يتغلب على النفوس بالقناعة، وهنا أورد مثالاً آخر عرفت واقعة مشافهة في حديث جرى مع بعض المسلمين العرب والأتراك في مدينة (كُلُنْ) بألمانيا منذ سنوات، فقد كان محدثنا عربياً درس الطب في ألمانيا وتزوج زميلته في الجامعة، ثم عملا سوياً في أحد المستشفيات هناك، وفي أحد الأيام أخبر زوجته برغبته في السفر لبلاده، لأن أمه مريضة، فأصرت زوجته على مرافقته لعلها تستطيع المساعدة في علاجها، وافق على ذلك وسافر فوجد الأم قد شفيت، ولكن أبناءها وبناتها والأقرباء، عبروا عن فرحهم بشفائها، بإكرامها المستمر صباحاً ومساءً، في بيوتهم وبحفاوة وموائد هي الغاية في الاحترام. ذهلت الزوجة من هذا الاهتمام وفي طائرة العودة لم تستطع كتمان شعورها، فقالت لزوجها: لماذا لم تخبرني عن مكانتكَ الاجتماعية، فهل أمك من الأسرة المالكة، أو من ذوي الجاه والوزراء أو من الأثرياء أصحاب المكانة؟ فقال: لا هذا ولا هذا، وما الذي دعاكِ إلى هذا الحكم؟. قالت: المكانة الكبيرة التي تحتلها أمك بين الناس تقديراً وإكراماً وحفاوة. فقال: أنا وأمي وأسرتنا من وسط المجتمع، ولكن هذه تعاليم الإسلام الذي هو ديننا، بل إن حقها الذي يحث عليه ديننا أكبر من ذلك. وبدأ يشرح لها أشياء عن الإسلام ويترجم لها بعض النصوص فدفعها ذلك إلى أن تهتم بقراءة تراجم معاني القرآن الكريم ثم أسلمت فصارت في المناسبات تردد: الأم في مجتمع المسلمين ملكة غير متوجة بل أسعد من ملكات الغرب، أما في النقيض من ذلك: - ففي كتاب فقر المشاعر تأليف محمد بن إبراهيم الحمد، أورد نماذج من إهانة الغرب للمرأة نقتطف منه: 1 - نشرت التايم الأمريكية: إن ستة ملايين زوجة في أمريكا يتعرضن لحوادث من جانب الأزواج كل عام، وإنه من ألفين إلى أربعة آلاف امرأة يتعرضن لضرب يؤدي إلى الموت، وإن رجال الشرطة يقضون ثلث وقتهم للرد على مكالمات حوادث العنف المنزلي. 2 - قالت جانيت مور منسقة في منظمة ضد العنف المنزلي في واشنطن بأمريكا: وصلت حالة إهانة المرأة إلى مأساة مرعبة، فالأزواج يضربون نساءهم في سائر أنحاء الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى الوفاة، ودخول العشرات منهن المستشفيات للعلاج، ما بين حروق وطعن بالسكاكين وإطلاق النار، وضرب الكراسي، وذكر نماذج من هذا النوع، أو أشد. (49 - 51) الهامش. 3 - وفي عام 1980م جاء في مجلة النيوزويك الأمريكية 17 مارس تحقيق بعنوان: سوء استخدام الجنس في المكاتب. 4 - كما صدر في عام 1978م كتاب الابتزاز الجنسي، تأليف: لين فارلبي الذي أحدث ضجة في أمريكا لأنه أخرج قضايا التلاعب بالمرأة باسم العمل ثم أعيد طبعه عام 1980م لعله ينفس عن النساء ما يجدن من هضم لحقوقهن. 5 - أشارت دراسة كندية إلى أن ربع النساء هناك - أي أكثر من 8 ملايين امرأة يتعرضن لسوء المعاملة كل عام. 6 - في بريطانيا تستقبل شرطة لندن مائة ألف مكاملة سنوياً على مدار 15 سنة يضربهن أزواجهن، ومثل ذلك في فرنسا وألمانيا، بل في أمريكا كل ثماني ثوان تتعرض فيه امرأة لسوء المعاملة (المرجع السابق). فهذا ما يعبر عن ديموقراطيتهم، فأين هم من الإسلام الذي يحترم المرأة ويحفظ كرامتها وحقوقها.. فهل من مستمع وعاقل؟؟! خولة بنت ثعلبة هذه المرأة التي سمع الله شكايتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت عن حالتها آيات من الله تتكرر إلى يوم القيامة، وحكم شرعي خفف عن النساء كثيراً.. ما حكايتها التي تعرض لها المفسرون؟، ووقف يسمع منها عمر بن الخطاب بعدما تولى الخلافة.. جاء في رواية: إن خولة - هذه - دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فقالت: يا رسول الله، إن أوساً - زوجها- من قد عرفْتَ: أبو ولدي وابن عمي وأحب الناس إليَّ، وقد عرفت ما يصيبه من اللمم، وعجز مقدرته وضعف قوته، وعي لسان، وأحق من عاد عليه أنا بشيء إن وجدته، وأحق من عاد علي بشيء إن وجده هو، وقد قال طلحة: والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. فقال رسول الله: ما أراكِ إلا قد حرمْتِ عليه. فجادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي، وما شقَّ علي من فراقه، اللهم أنزل على رسولك بما لنا فيه الفرج. قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت، رحمة لها ورقة عليها، فبينا هي كذلك بين يدي رسول الله تكلمه، وكان رسول الله إذا نزل عليه الوحي، يغط في رأسه، ويتربد وجهه، ويجد برداً في ثناياه، ويعرق حتى ينحدر منه مثل الجمان، قالت عائشة: يا خولة إنه لينزل عليه الوحي، ما فيه إلا فيك. قالت: اللهم خيراً فإني لم أبغِ من نبيك إلا خيراً. قالت: لقد ظننت أن نفسها تخرج خوفاً من أن تنزل الفرقة. فَسُرّي عن رسول الله، وهو يبتسم، فقال: يا خولة. قالت: لبيك. ونهضت قائمة فرحاً بتبسم رسول الله، ثم قال: أنزل الله فيك وفيه.. ثم تلا عليها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}(1)سورة المجادلة. ثم قال: مريه أن يعتق رقبة، فقالت: وأي رقبة، والله ما يجد رقبة، وما له خادم غيري، ثم قال: مريه فليصم شهرين متتابعين. فقالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك، إنه يشرب في اليوم كذا وكذا مرة، وقد ذهبت بصره، مع ضعف بدنه، وإنما هو كالخرشافة. قال: مريه فليأت أم المنذر بنت قيس، فليأخذ منها شطر وسق تمر فيتصدق به على ستين مسكيناً. فنهضت لترجع ووجدته جالساً على الباب ينتظرها.فقال لها: يا خولة ما وراءك؟ فقالت: خيراً، قد أمرك رسول الله أن تأتي أم المنذر بنت قيس فتأخذ منها شطر وسق تمراً، فتصدق به على ستين مسكيناً. قالت خولة: فذهب من عندي يعدو، حتى جاء به على ظهره، وعهدي به لا يحمل خمسة أصواع فجعل يطعم مدّين مدّين، من تمر لكل مسكين (إعلام النساء لعمر رضا كحالة 383- 384).
|