قرأت في كتاب بعنوان (يهود الأندلس والمغرب) للمؤلف حاييم الزعفراني، إيماءات وضاءة لمدى التعايش السلمي بين الأقليات المختلفة من مسيحية ويهودية في ظل الدولة الإسلامية، وكذا مدى الحرية التي تنعم بها الطوائف الأخرى في التقاضي والمعاملات الدنيوية، وهو أمر يتطابق مع ما تنادي به القيم في عصرنا الحاضر. فقد ذكر المؤلف أن أهل الذمة كان لهم تشريعاتهم الخاصة بهم وتستمد سلطانها من الحكم الإسلامي، فالقانون الجنائي وخصوصا منه إصدار أحكام الإعدام على العموم من اختصاص الدولة، ومن جهة أخرى كان بوسع كل فرد من أفراد الأقليات أن يتوجه إلى القضاء الإسلامي بدل التقاضي أمام القضاء الخاص بأهل الذمة، ومن الجانب المبدئي كانت السلطات اليهودية والمسيحية التي تعيش تحت ظل الإسلام تعتبر لجوء أحد أتباعها إلى القضاء الإسلامي خطيئة جزاؤها حرمان الفرد من الجماعة. ولقد أومأ المؤلف إلى أن هناك جدلا عنيفا بين المتشددين في هذا الأمر، كما أن هناك تناقضا بين المتشددين من الأقليات وبين الواقع اليومي الذي يستوجب تسهيل المهمات التجارية، ووجدت هذه الآراء المتضاربة حول هذا الموضوع موطن تراض سيرته الحياة اليومية، ومنها أن أي نزاع يتم حله من خلال القضاء الخاص بالطائفة وإذا لم يحقق ذلك التراضي أو العدالة فإنه يمكن للمتقاضين الذهاب إلى السلطات المدنية إذا كان ذلك في مصلحة القانون وتسهيل مجرى العدالة. إن واقع الحال هذا في تلك الأزمنة يدل دلالة واضحة على نفاذ القوانين الخاصة بكل طائفة، وكذا حقها في التقاضي أمام القضاء الإسلامي وتنفيذ الحكم من خلال السلطات الحكومية للدولة. وهي حرية كاملة يتمتع بها الذمي في ذلك الوقت، والذي يعيش ويتعايش بجانب المسلم، ويتداخل معه في حياته اليومية من بيع وشراء وأخذ وعطاء وغيره من المناشط الإنسانية الأخرى. وجاء في حوليات (لكنيزة) عدد من الحالات التي تدل على هذا النوع من التراضي. ولم تكن السلطات اليهودية خصوصا فيما يتعلق بتحرير العقود تعترض على اللجوء إلى القضاة والعدول، فمثل هذه العقود وعقود الملكيات والشواهد والتوكيلات والتفويض كانت تنتقل بالتبادل ويمكنها أن تكون وسيلة للأداء (في شكل وثائق ائتمان ودفعات مثلا) ولا يمكن أن يتم الحد من صلاحيتها أو أن يظل استعمالها محصورا بين أفراد الطائفة. هذا التمازج المتسامح بين العقود والوثائق شاهد من الشواهد على أن الإسلام دين يسر وتسامح واحترام لجميع فئات المجتمع وإنما يصدر من وثائق تتعلق بأهل الذمة حتى يكون أحد المستندات التي يمكن أن يعول عليها لإحقاق الحق، والبيع والشراء. وفي المعاملات التجارية فإنه قد يكتب تاجر يهودي إلى زميله المسلم رسالة باللغة العربية غير أنها مكتوبة بأحرف عبرية، فيطلب من أحد زملائه اليهود أن يقرأ عليه الرسالة بصوت مرتفع، حيث إن لغة التراسل كانت العربية. وأرى أنه في معظم الحالات فإن الأحرف العربية هي التي كانت سائدة في التكاتب بين المسلمين ونظرائهم من أهل الذمة غير أن هذا لا يمنع من وجود مكاتبات باللغة العربية وبأحرف عبرية. لقد صور الكتاب المذكور على الكثير من الإيماءات الدالة على أن الإسلام قد وفر للمسلمين والذميين على حد سواء حياة تسودها العدالة وإعطاء الحقوق وحفظها ورد الظلم عن المظلومين سواء مسلمين أو ذميين.. وهذا هو الإسلام الحق الذي جاء لإسعاد البشرية جمعاء.
|