Friday 24th June,200511957العددالجمعة 17 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ماذا فعل غياب العقل بالأعرابي؟!ماذا فعل غياب العقل بالأعرابي؟!
عبدالله بن ثاني

قرأت قصة في كتب الأدب تفيد بأن أعرابياً دخل بغداد، ولم يدخل مدينة قبلها فرأى الناس في ضاحية منها مرتدين ثياباً جديدة، والأطفال يلعبون وسط الزغاريد والأهازيج، فقال في نفسه: هذا والله العيد الذي يذكرونه في المدينة، ورآهم يدخلون بيتاً، ويخرجون منه زرافات ووحدانا، فدخل معهم من باب الفضول، ورآهم يسلمون على رجل في صدر المجلس وقد أخذ زينته، فقال في نفسه: هذا والله الخليفة الذي يذكرونه في بغداد، فلما صار بين يديه قبل الأرض ثم رفع رأسه قائلاً: مبارك عليك هذا العيد يا خليفة المسلمين، فضحك حتى استلقى على ظهره، وضحك مَنْ في المجلس، وأخبروه أن هذه حفلة زواج وهذا هو (العريس) ثم جلس في الطرف والخجل يحفه، ولم يخرج حتى قدموا الطعام، فأكل حتى شبع، ثم قدموا له شراباً أحمر، وثنوا له بكأس أخرى، فقال: والله لقد دارت بي الدنيا، ثم التفت واشتهيت أن أصفع الذي بجانبي.. وأظنه صفعه بقوة، فطرحوه أرضاً وضربوه حتى فقد الوعي، ثم ألقوه في الشارع، ولم يستيقظ إلا في اليوم التالي بعد أن صهرته حرارة الشمس.
وتساءلت: كم أسرة دفعت الثمن غالياً لغياب العقول؟
وإلى متى يعصف بها ذلك المأزق والضحايا صابرة محتسبة على ذلك الاستبداد والعنف؟ وإذا كان ذلك الأعرابي قد دفع نتيجة غياب عقله ما دفع غير مختار، فما بالكم بمن يدفع أقسى من ذلك بإرادته حتى أصبحت الحياة في ظل مدمن لا تطاق؟ وكيف يتجاوز طفل ذلك المشهد وهو يراقب بحذر ما يجري مما يؤدي إلى أن يكون مكسوراً أمام الأحداث وخاصة إذا انتشر عند أفراد المجتمع أن في ذلك البيت مدمناً؟ والخطر كل الخطر من الإدمان على المخدرات والسموم، ذلك الوباء الفتاك الذي أدركت الأمم قاطبة شره المستطير فاحتلفت في السادس والعشرين من يونيو كل عام بمكافحته، بعد أن أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة ذلك القرار منذ عام 1987م ليتم فيه توعية الناس والحد من انتشار تلك الآفة، وتعاونت جميع الدول على الحرب ضد هذا الإرهاب الأبيض - كما يسمى - بالقضاء على منابعه والحد من تعاطيه عن طريق سد الثغرات التي يستغلها المروجون إنقاذاً للإنسان، مصدر التنمية الأول من التدمير، ويكفي أن ندرك أن تكاليف مكافحة المخدرات حوالي120مليار دولار سنوياً، وتمثل تجارته نسبة 8% من التجارة العالمية، وقد ذكرت احصاءات الأمم المتحدة عام2003م أن عدد المدمنين تجاوز 185 مليوناً، كما أكدت زيادة نسبة تعاطيها في فئة الشباب، مما يعطي دلالة كبرى على حجم الكارثة وخاصة أنها تهدد من تعول عليهم الأمم رقيها وحاضرتها، وتحقيقاً لمبدأ حماية الإنسان وفقما حرصت عليه الشريعة من الضرورات الخمس فقد حرمت الإدمان وأسبابه، قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}وروت أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل مسكر ومفتر ونقل الأئمة الإجماع على تأكيد ذلك كالقرافي وابن تيمية - رحمهم الله تعالى.
ولو تأملنا الأضرار الكبيرة التي تلحق بالعقل والجسد لأدركنا حجم الكارثة بسبب تدميرها الجهازين العصبي والنفسي، وما تلحقه بالجسم من تسمم الدم والتهاب الكبد الوبائي، وتليف الكبد، والزهري، والسرطان وأمراض المعدة والقلب، وهي سبب رئيس من أسباب الإيدز، ويرجع كثير من الدراسات الاجتماعية سبب الادمان إلى ما يلي:
1- ضعف الوازع الديني في تلك النفس المدمنة، إذ يفر كثير من الناس إليها هروباً من الحزن والاكتئاب؛ نتيجة عدم قدرتهم على مواجهة الواقع المؤلم، مما يؤكد أهمية التربية الإسلامية وغرس مبادئ الإسلام والفضائل العربية في نفوس الناشئة، من خلال القدوة الصالحة في البيت والأسرة والمدرسة ووسائل الاتصال المختلفة، وليتهم استفادوا من حب الشباب بعض الشخصيات لتحذيرهم من هذا الوباء ببيان أضرارها وحكاية القصص والمشاهد والروايات المؤلمة التي سببها الإدمان في وسائل الاعلام، وإبراز الصور الحقيقية للبؤس والكآبة والشعور بالنقص وعقدة الذنب والقلق وضيق الصدر والعصبية والانطواء والعدوانية والتنازل عن الشرف والعرض في سبيل الحصول عليها.
2- الصحبة السيئة التي تدفع بالإنسان المهزوم إلى اقتراف السلوك السيئ عن طريق التركيز على ذلك الفرد وغرس بعض الأوهام في ذهنه في ظل فراغ وتجاهل وغياب الرقابة الأسرية.
3- السفر إلى البلاد التي ينتشر فيها هذا الوباء، والانشغال عن الأبناء ومتابعتهم.
4- المشكلات الاجتماعية والتفكك الأسري الذي يضع الفتى وحيداً في المواجهة، ومن ثم يتحول إلى صيد سهل للمروجين ومعلمي الانحراف والجريمة.
5- التقليل من خطورة بعض الأصناف المخدرة ومحاولة وجود مسوغات طبية ونفسية.
6- ما يتم عرضه في المسلسلات والأفلام حينما يقع الفتى على صور تكاد تكون مألوفة في ذلك المكان المملوء بالرجال والنساء وتدار بينهم المواد المخدرة في ظل الموسيقى والرقص مما يهيئ الشباب نفسياً للسقوط في الرذيلة والسرقة والاغتصاب والحوادث والمشاجرات.
إن رعاية الدولة انطلاقاً من مسؤولياتها وصلاحياتها للمواطن من هذه الآفات ضرورة وواجب يكمن بزيادة حملات التوعية لدى الطلاب وغيرهم من فئات المجتمع في المدارس والمؤسسات ووسائل الاعلام ومحاربة ذلك بإنزال أشد العقوبات على المروجين والمهربين الذين عطلوا وطنيتهم وإنسانيتهم مقابل الحصول على المال، ولا شك أنها من باب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ولا بد من تطبيق استراتيجية تهدف إلى القضاء على هذا الوباء من خلال ثلاثة عناصر:
1- الوقاية من خلال التحذير والتوعية وكشف القناع عن الوجه الحقيقي للإدمان والحلول المؤقتة والمزيفة والخيال الجامح وتأكيد الأهمية على مواجهة الواقع بصبر وإيمان واستعمال كل الوسائل الممكنة حماية لمن لم يقع في براثن تلك الكارثة وتهيئة الشباب نفسياً لرفض كل المسوغات ومسببات الاغراء التي يطرحها المروجون وأصدقاء السوء.
2- المكافحة المعتمدة على اجتماع الجهود العامة والخاصة في الوقوف أمام انتشار هذه الجريمة وحصارها في النطاق الضيق استعدادا لاجتثاثها وتجفيف منابعها والمساعدة في البرامج الدولية التي تسعى إلى تطهير المجتمعات من آثارها السيئة.
3- العلاج لمن ابتلي بها في مستشفيات خاصة، والدعوة إلى ذلك والترغيب فيه، ولا يمكن أن تنجح هذه الجهود إلا إذا كانت السرية التامة شعار تلك الحملات مع اعفائهم والعفو عنهم وتمكينهم من الحصول على اجازات مرضية من الجهات الرسمية دون ذكر الأسباب.
ولا يمكن لجهة واحدة أن تؤدي ذلك بنجاح، بل يقتضي أن تشارك الجهات المعنية كوزارة الداخلية ووزارة التريبة والثقافة والإعلام ووزارة الشؤون الإسلامية وكذلك الاجتماعية ليقف المجتمع بمؤسساته المدنية والعسكرية أمام انتشارها وخاصة في عصر تطورت فيه وسائل الجريمة والتهريب مستغلين أماكن التجمع الشبابي في مواقع الانترنت والشات والبالتوك... وغيرها، وأصبحنا نسمع قصصاً بسبب الإدمان لم يخطر على ذهن ما وقوعها في مجتمعنا المتدين والملتزم كقتل الآباء والزنا بالمحارم.. نسأل الله العفو والعافية، بسبب غياب العقل، ولذلك تصنف دول العالم جرائم المخدرات ضمن ما يهدد الأمن القومي، وتراقب معدلات زيادتها بحذر وخوف في ظل العولمة والثورة التكنولوجية.
وقد أشار تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات عام 2004م إلى أن حوالي 38 مليوناً يتناولون حبوب الهلوسة والأمفيتامينات مقابل 29 مليوناً خلال العقد الماضي، وبلغ عدد مدمني الأفيون والمورفين والهيروين 15 مليوناً، وعدد مدمني الكوكايين13مليوناً، اللهم اشف كل مبتلى بالإدمان ورده إليك رداً جميلاً، وخذ بيده إلى الصلاح وهيئ له الصحبة التي تعينه على السلوك السوي، وتب عليه من ذلك الأمر الصعب، واجعله يجد حلاوة الإيمان والتوبة في قلبه، لكي يدفع عنه ما يسمى بالاشتياق والرغبة بعد التوبة، يا أرحم الراحمين.
والله من وراء القصد

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved