في مكان جميل، وبعيد عن أصوات المارة، والحركة المرورية الدائبة، أمضى أحمد أحلى ساعات عمره، حيث الأشجار الباسقة، والمياه المتدفقة، والورود والزهور تملآنِ المكان... وبينما هو على هذه الحال من الدعة وراحة البال. إذا بثلاثة يحيطون به ويمطرونه بأسئلة متتابعة، لم يستطع معها التقاط أنفاسه، ولم تتح له فرصة لتفسير ما حدث. حيث تقدم إليه أكبرهم سناً وأقواهم جسماً، فأمسك بيده وضغط عليها بقوة ليشعره بضعفه وعجزه، وأنهم على استعداد تام لحمله إلى المكان الذي يريدون، فاستسلم لهم وانقاد معهم، وهو في هذه الحال المحيرة، لم يفتر لسانه عن ذكر الله سبحانه وتعالى ودعائه. وطوال سيرهم لم ينبس أحدهم بكلمة، حتى وصلوا إلى مكان بعيد عن المارة والحركة، وطلبوا منه الدخول في شقة قديمة. وبدا مسن واقف بجانب بابها، مظهره يوحي بالغرابة، حيث كان يلبس ملابس غريبة، وذو نظرات ثاقبة، مر أحمد بجانبه، فلم يكلمه بل تابعه بنظراته الحادة وهو يدلف داخل الشقة. ولما استقر في داخلها وقد بلغ به الإعياء مبلغاً عظيماً، حيث الجهد البدني والنفسي وهذه النظرات الحادة من هذا المسن والملابس الغريبة، وهذه الشقة المريبة، ولولا اعتصامه بالله سبحانه وتعالى ومناجاته في سره، لانهارت أعصابه ووهنت قواه. تركوه لوحده حيث جلس على كرسي مهتر، بعد أن أحكموا إغلاق باب الشقة. وظل على هذه الحال فترة غير قصيرة، ثم فجأة ظهر هذا المسن وبجانبه امرأة مسنة وفتاة في ريعان الشباب، والثلاثة الذين اقتادوه إلى هذه الشقة الحزينة. ثم تحدث المسن قائلاً: تعاونك معنا سيختصر عليك الطريق، ومن ثم كل منا يذهب في حال سبيله. فنظر إليه والدهشة تملأ وجهه قائلاً: نتعاون على ماذا؟ فرد المسن: طلبنا باختصار أن تدلنا على المبالغ المالية التي في حوزتك، وتظل عندنا ضيف عزيز، - ما داً بها شفتيه - حتى نقبض المال وتذهب حيث تشاء. عندها أدرك أنه وقع في يد عصابة متمرسة في الإجرام، ولن ينفع معهم الاستعطاف، كما أنه لن يضمن خلاصه فيما لو أجابهم إلى طلبهم. فاستعصم بالله، وتحلى بشجاعة أدبية عالية وقال: ليس لديَّ مال. فقال الشاب الذي قبض عليه: المال عندك. نحن متيقنون من ذلك وكما قال زميلي، آسف أقصد والدي دلنا عليه ومن ثم اذهب لشأنك. عندها تيقن أن لديهم علم بما عنده من مال، ولم يكن طلبهم مبني على الظنون، فقال بثقة وحزم: المال عندي ولن أدلكم عليه ولو كان الثمن حياتي، فعقدت المفاجأة ألسنتهم، وهم أوسطهم للبطش به، فمنعه المسن وقال: نحن نريد المال أما هذا المغرور فسيان عندنا عاش أم مات. وقال: أنا والد هذه الفتاة وهذه أمها وهذا أخوها وهذان صديقاه، وهي فتاة رائعة الجمال، أعتقد أنك تدرك ما أرمي إليه. فلم يبالِ بما سمع وقال: إن شخصاً يهون عليه الموت، لن يتأثر بما دونه. ولما سمع مقالته تلطف معه في الحديث، ثم انسحب من المكان وتبعته العجوز والثلاثة، وبقيت الفتاة لوحدها، وبعد فترة من الصمت، دنت منه وهي في كامل زينتها وحدثته بصوت ناعم يأخذ بشغاف القلوب.. فلم يلتفت إليها - فهو مشغول بذكر الله ودعائه أن يقيه مصارع السوء - وبدت الفتاة في عينه في صورة مهينة. وشعرت بما يدور في نفسه تجاهها، فكأنما ضربت بخنجر في صدرها، فولت مدبرة لا تلوي على شيء، وكانوا يظنون أنها ستوقعه في شباك صيدها. فتبعتها المرأة المسنة ولحقها الباقون، وأسئلة كثيرة تدور في أذهانهم. فقالت المسنة بلهجة لا تخلو من الغلظة: أخبرينا بما جرى، فلم ترد عليها، فالموقف بالنسبة لها صعب جداً، إذ إن هذه أول مرة تقابل فيها من لم يبهره جمالها.. هذا الموقف العصب الذي لم تتعود على مثله أحدث في نفسها هزة عميقة، فشعرت العجوز بما يعتلج في صدرها، فخشبت أن تعود إلى رشدها، فتنهال آمال وأحلام تلك العصابة الشريرة، فربتت على كتفها وخاطبتها في رقة وحنان ورفعت من معنوياتها، وأومأت لهم بالخروج، فاستجابوا لطلبها. وانفردت بها ثم قالت: قصي عليّ ما جرى، فأخبرتها بما فعلت معه.. فهدأت من روعها وهونت من الأمر، وساقت حكايات مشابهة وقعت لها في شبابها ولغيرها، حتى أخمدت بصيص هذا الضياء الذي بدأ يشع في جنبات كيانها المظلم. وعادت لسابق عهدها لعوباً طروباً، فصفقت العجوز فتراكض الجميع إلى الغرفة. وقصت عليهم الذي حدث بينها وبينه بلهجة غير التي كانت تتحدث بها للعجوز أول الأمر. فقالوا لها: أنت أعز وأكرم من هذا البهيم لا يميز بين.. فضحكت وضحك الباقون. ثم خرج إليه المسن، ووجده في مكانه ساكناً ومطمئناً، فوقف قبالته، ولم ينبس بكلمة، إنما أفكار متضاربة تتصارع في رأسه وبعد فترة من الصمت، كرر مطالبه فلم يرد عليه، فأعادها ثانية فتجاهله، فانفجر متهدداً ومتوعداً، ولما انتهى من كلامه قال له في هدوء وثقة: لن تصلوا إليَّ، لأنني ببساطة في حفظ الله ورعايته، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي...) وقد فوضت أمري إلى الله، فإن كان الذي أريد وهو النجاة، فلله الحمد والمنة، وإن كان الذي تريدون - وهو قتلي - فأرجو أن أكون من الشهداء، فمن قتل دون ماله فهو شهيد هكذا علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم ثم سكت. فحار في الرد عليه، وانتقلت إلى مجموعته ووقف قبالته مهموماً، وقال: هذه أول مرة أشعر أننا نخوض معركة خاسرة، دعونا نطلق سراحه ونشرع في التخطيط لصيد آخر خير منه، فإن ثقته في نجاته وطمأنينته تثير حنقي وتشعرني بالنهاية، فبادره أصغرهم قائلاً: لم أدرِ أن الشجاعة تشيخ كما يشيخ الجسم، فلم يرد على هذه السخرية ويدخل في جدال مع غر لم تصقله الليالي وتحنكه التجارب. فقال: إذن هو بين أيديكم فافعلوا به ما شئتم. فقالت المسنة: وأنت - قالتها بحزم - فقال: معكم حتى النهاية. فخرج الجميع ووقفوا قبالته، ونظر المسن إليه وقال له: هذه ابنتي وهذه والدتها وهذا أخوها وهذان صديقاه، وأنت طاردتها ثم أمسكت بها تريد اغتصابها، وهؤلاء عليك شهود، فهم الذين خلصوها من قبضتك، وأنت تعلم عقوبة الاغتصاب في بلادنا. فلما سمع منه هذه الفرية، شعر بخوف يتسلل إلى نفسه، إلا أنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وسأل الله العون والسداد. وقال: افعلوا ما شئتم وأنت مفتر كاذب وسينكشف - إن شاء الله - أمركم، وتأخذ العدالة مجراها. فقال المسن: مفتر كاذب لا يهم سترى كل الإجراءات سليمة وهذه ليست أول مرة ندخل فيها قاعات المحاكم ونربح. فقال: إن شاء الله، سيكون النجاح الذي تتغنون به أحلام تستذكرونها وأنتم في غياهب السجون. فصكت هذه العبارة مسامعهم فارتعدت فرائصهم، وصرخت الفتاة بأعلى صوتها: لا لا أريد أن أمضي بقية حياتي خلف القضبان، أريد أن أستمتع بشبابي وجمالي ومالي غاية الاستمتاع، فما زالت آمال وأحلام كثيرة لم يتحقق لي منها غير القليل. وصمت الجميع، فكلهم يشاطرونها تلك المشاعر والأحلام. إلا أن أحد الشباب (وكان هو الذي شاهده، وهو ينقد لبائع الذهب ثمن بعض المشغولات الذهبية الغالية ويعيد لمحفظته أكثر مما نقد للبائع). شرع يتحدث عن المال وأهميته.. وأن القضية بالنسبة لهم محسومة.. حتى ذابت مشاعر الخوف والقلق التي دبت في نفوسهم. فقال المسن: اتصلوا بالشرطة. فذهبت العجوز ومعها أحد هؤلاء الشباب، وقدمت لمدير الشرطة خطاباً تذكر فيه ما تعرضت له ابنتها من مطاردة شرسة، من شاب طائش يريد انتهاك عرضها.. فهدأ مدير الشرطة من روعها، قائلاً: إن هذا المعتدي سينال الجزاء العادل. وسألها عن أوصافه عن.. فقالت: من حسن الحظ أثناء ملاحقته لابنتي وافق ذلك حضور ابني ومعه صديقاه، فقبضوا عليه، وهو في شقتنا لم نمسه بسوء. فطلب مدير الشرطة من أحد الضباط أن يأخذ معه بعض الجنود، ويذهبوا لإحضار الجاني لمقر الشرطة. فذهبت الفرقة للشقة واقتادوه إلى مركز الشرطة، وطلبوا من الباقين الحضور لإتمام بقية الإجراءات الرسمية. ريثما تحال القضية للمحكمة، فذهب الجميع لمقر الشرطة، وطلب منهم البقاء في الاستراحة لحين استدعائهم. ودخل أحمد إلى مكتب المدير مكبل اليدين، فنظر إليه مدير الشرطة ثم قال بصوت خفيض: طبيعة عملنا تحتم علينا أن ننخدع بالمظاهر. فقال المتهم: لا تتعجل فالذي حاك في نفسك من براءتي هو الحق، فلم يعقب عليه وإنما قال: تكلم بصدق، مع أن القضية واضحة قادم من ديار بعيدة، وذو مال، وفتاة جميلة ثم سكت. فهو يشعر في قرارة نفسه ببراءة هذا الشاب فسيماه تشهد له لا عليه، خاصة أن السبيل لاقتراف هذه المنكرات متيسر، وهو غني. هذا ما ذكرته العجوز في خطابها، وهو أيضاً وسيم. فقال أحمد: إنني بريء وهذه عصابة لا ترابط بين أفرادها سوى الاتفاق على ابتزاز الآخرين. ثم قص على المحقق جميع ما حصل له، وطلب منه أن يسمع من الفتاة ولوحدها. ولما انتهى من كلامه حذره المحقق من القول بغير دليل، حتى لا تتكاثر عليه التهم. فقال: إنني أعي ما أقول وهو الحق. فنادى المحقق الجندي الواقف عند الباب وقال: دع الفتاة تدخل فنادى عليها ودخلت منكسة الرأس، وفي عينيها استغاثة وعبرة مخنوقة. ولا غرابة في ذلك فالموقف يتطلب منها أن تكون كذلك، وهي متمرسة في القيام بمثل هذه الأدوار. فلما رآها المحقق على هذه الحال رق لها، ولكن سرعان ما نبذ تلك المشاعر وقال لها: تكلمي من البداية حتى النهاية، فشرعت في سرد حكايتها وهي تختلف تماماً عما رواه المتهم. فقال لها المحقق: تذكري أنك تقولين الحقيقة، والحقيقة فقط وإلا. فقالت: لم أقل غيرها فهذا المعتدي يستحق أشد أنواع العقوبات، والتفتتْ إليه تريد المزيد من إهانته وتحقيره، فالتقت عيناها بعينيه البريئتين، فشعرت بمشاعر غريبة سرعان ما أخفتها، وواصلت هجومها ولكن المحقق لمح أثر هذه المشاعر في وجهها وفي حركة يديها، وطلب منها التحدث في صلب القضية فقط. وقال: أعتقد أن لديك أقوالاً أخرى، والأفضل لك أن تقوليها الآن، لأن الحقيقة لا يمكن حجبها للأبد. فانتفضت وهمت بالكلام إلا أنها تراجعت، والمحقق ينظر إليها ولم يتكلم، وأحمد مصوب نظره إليها. عندها تحركت يميناً ويساراً ثم نهضت تريد الخروج، لكن المحقق أمرها بالبقاء وحدق فيها وقال بثقة وحزم: أنت لم تقولي الحقيقة، فاضطربت ولم تجب، فأعاد السؤال مرة أخرى وقال: تذكري الحقيقة لا يمكن إخفاؤها للأبد، والأفضل أن نسمعها منك وباختيارك، وهذا في مصلحتك. عندها اعتدلت في جلستها وقالت: الحقيقة من ألفها إلى يائها، أي منذ تأسيس العصابة والدوافع التي أجبرتها على سلوك هذا النهج المنحرف. ثم تنهدت من الأعماق، ورمت بظهرها للخلف وأرخت يديها على حافة الكرسي. ثم سألها المحقق: هل لديك إضافة فقالت: لا. فطلب منها التوقيع. واستدعى البقية وقال: لم يعد الأمر خافياً والاعتراف سيخفف من العقوبة، فقالوا: عن أي موضوع تتحدث؟ فتلا عليهم اعترافات الفتاة من البداية حتى النهاية، فأسقط في أيديهم وأصبح كل واحد يلقي باللائمة على الآخر، وكادوا يشتبكون بالأيدي، فنهرهم المحقق وقال: الآن حصحص الحق، كل منكم يجب أن يقوم بتدوين اعترافه وبصدق، فشرع الجميع في الكتابة وبعد توقيعها من قبلهم دفع بهم إلى التوقيف، لحين عرضهم على المحكمة بما فيهم الفتاة. ثم قال المحقق لأحمد: هل تريد رفع دعوى ضدهم؟ هذا من حقك. فقال: لا. واستأذن وخرج من مركز الشرطة، وعند أول مسجد توقف، فتوضأ ثم صلى ركعتين، حمد وشكر فيهما الله سبحانه وتعالى. ثم خرج وعند أول مكتب لبيع تذاكر الطيران توقف ودلف إلى الداخل وقال: أريد تذكرة طيران إلى البد الآمن، فنظر إليه البائع وقال: لا أعرف بلداً بهذا الاسم. فقال: بلى أنا أعرفه، فقد درجت على أرضه وارتويت من مائه وأكلت من خيراته. إنها بلدي، المملكة العربية السعودية. والله ولي التوفيق.
محمد بن فيصل الفيصل /المجمعة |