يظهر المجتمع الدولي اهتماما مقدرا بالعراق، وقد كان مؤتمر بروكسل أحد مظاهر هذا الاهتمام المتوقع أن يتواصل طالما ظل العراق نهبا لمظاهر عدم الاستقرار والعنف، وكل المشكلات التي يمكن أن تنجم عن صراعات متعددة بين قوى مختلفة، غير ان العراق يحتاج أيضا إلى تمرينات حقيقية فيما يتصل بممارسة السيادة بصورة فاعلة، وإلا فإن جانبا كبيرا من الصراعات الدائرة الآن ستظل تتفاقم طالما اعتقد البعض أن أرض العراق هي المسرح الأمثل لتصفية خلافاتهم في غياب السلطة الوطنية القوية. ومن المؤكد أن دعم المجتمع الدولي يجب أن يطول أيضا مثل هذه المسألة أي التشجيع على زوال الاحتلال وتكريس سلطة الحكم الوطني حتى في وجود الاحتلال. وتظل الحاجة ماسة لدور أساسي للدولة العراقية فيما يتصل بالعمليات العسكرية بالقدر الذي ينفي من تلك العمليات الصفة الانتقامية خصوصا خلال مطاردة المسلحين حيث يجد المدنيون في كثير من الأحيان أنهم ضحية للرصاص المتقاطع بين قوات الاحتلال والمسلحين الذين تتعدد جماعاتهم وتختلف مشاربهم، كما يجد المدنيون أنفسهم وهم محشورون بين بنادق الطرفين أن عليهم أن ينفوا عن أنفسهم تهمة إيواء المطاردين، وقد يترتب على مجرد هذه التهمة الزج بهم في السجون خصوصا من قبل قوات الاحتلال التي تفتقر إلى فهم طبيعة النسيج الاجتماعي الذي يضم كل هذا الكم من الجماعات البشرية الطائفية والسياسية في أرض العراق. وهناك ما يتعلق بالسيطرة على الأموال الخاصة بالعراق حيث نبه تقرير أمريكي نشرته لجنة من مجلس النواب مؤخرا ان الولايات المتحدة سلمت نحو 20 مليار دولار من أموال العراق على وجه السرعة لإنفاقها في الأيام الأخيرة قبل نقل السلطة إلى العراقيين قبل عام، وأنه على الرغم من هذه الكمية الكبيرة من الأموال فإنه لم يكن هناك تدقيق أمريكي يذكر بشأن كيف ستدار هذه الأرصدة، وقال التقرير: إن إنفاق هذه الأموال اتسم بإهدار كبير وتلاعب وإساءة استخدام، فيما قال مراجعون أمريكيون: إنه لم يكن بإمكانهم معرفة مصير نحو 8.8 مليارات دولار من تلك الأموال. ومن ثم فليس هناك شأن في العراق إلا هو ينادي بالصوت المسموع بضرورة تحقيق النقلة المتمثلة في أيلولة كامل الشأن العراقي لأهله، ولن تكون النقلة مفاجئة ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، بل المطلوب بشدة الإشارة إليها كل حين وآخر من باب التبشير بها وممارسة مقتضياتها في كل الأمور في إطار الترتيب لعملية انتقال سهلة ومقبولة. إن كل الممارسات التي تتناقض مع مثل هذه التهيئة، أي كأن يقول البعض: إن الخروج من العراق لا يزال أمرا بعيد المنال، من شأنه فقط القضاء على الأمل في ممارسة كامل السيادة، وقد يعمل ذلك بمثابة صب المزيد من الزيت على النار المشتعلة أصلا.
|