بين أضلع المدينة الواسعة وفنائها الكبير وممراتها المتعددة وعلى جنبات أسواقها المستقلة بها وفي مطافات شوارعها الغبراء تتركز فيها مساكن أهلها المزخرفة بالحجارة الممزوجة بالألوان المختلفة وهي ما كونت بالطين والحصير. هذه ونمطات معمارية رائعة تحيطها أسوار مرقعة بمنافذ خشبية هشة تتيح الخروج والدخول إلى ما في داخل هذا المأوى. ليس هناك فترة محددة لفتحها أو إغلاقها فهي راكزة على البركة تأقلماً مع الحالة الأمنية السائدة في هذ المدينة وإن كان لا بد فإن الحيطة والحذر تكون في مقدمة الليل بالتأكد من رصد أقفال هذه الألواح. ويعلو مرتفعات هذا العمار أطباق ونوافذ مطلة على مواقع شتى بهذه المدينة الحالمة. يا لها من مناظر لافتة وتتراقص الأشجار المتلاصقة في وسط شاليهات خضراء بعبق روعة هذ المدينة وتخيم السكينة أجواء المدينة مع موعد الغروب واقتراب الليل بعد ضجيج النهار وأصدائه المزعجة والمحببة في نفس الوقت!! فحينها يهيم بها الصوت المخفي والحركات الخفيفة والضوء الضئيل والأنوار الخافتة ويفترق شمل التجمعات الجماعية والفردية، لقد حانت ساعة الصفر كل ذهب إلى مقره ومبيته، انشلت الحركة وداهمت الاتصالات بالانقطاع مودعة لنهاية. ليس لعودة إلا لصباح باكر يحدوه أمل مشرق بدايته طمأنينة روحانية يعقبها اتجاه كل حسب وجهته ومقصد رزقه ومبتغى بحثه. لقد اتسعت رقعة الشمس ومعها ازدانت حياة المدينة بهجةً ورونقاً وأريحيةً لنشاط هذا اليوم. انتصف اليوم وبدا كل في مزاولة هواياته ونشاطاته وتواصله ومشاغله وقبله كان هناك من خضع للراحة بعد عناء وقت طويل في ملهثه. وبدأت رحلة اليوم تشارف على النهاية كغيره من سائر الأيام وما يتخلله من مواسم إجازات وراحات معتادة. الكل يجري في حياته، الأطفال يلهون ويسرحون، والصبيان بدراجاتهم يجوبون مفترقات المدينة، والشباب يتحاورون في ميادين الكرة والرياضة، وهناك مجموعة ما من الصغار بجانبهم فئة من الكبار يجرون مع ألعابهم الشعبية وغيرهم من الشباب ونحوهم مع موعد مع الجلسات والسمر في موعد محدد، والأبواب مفتوحة على مصراعيها، كلٌّ يصول ويجول بدون سبق إنذار من النساء والغلمان ومجالس الرجال مفتوحة بين الجميع، كل حسب موعده وبرنامج جدوله، فالقهوة ومشتقاتها مع موقد النار تزجي المزيد من الحب والتلاحم، والعبارات الجميلة والحديث الشجي يعمر جلسات الكبار ويعطي شيئاً من الأنس والمودة والطمأنينة، ويغطي جوانب كثيرة من هذه المدينة مناظر خلابة فتظهر على أعالي المدينة أبراج المآذن للمساجد المحيطة بها ويزينها دور القرآن والمكتبات. وللمدينة محافل كثيرة.. فتتلألأ أركانها وزواياها بالمناسبات الاجتماعية المتواصلة كالمناسبات العامة مثل دعوة الولائم التي يحضر لها كل من يدعى إليها، وتبدأ التوافد عليها من بداية اليوم وكذلك الزواج الذي يقام في البيوت عن طريق طرف أسرة العروسة ويعلن ذلك الفرح منذ مدة طويلة تسبق الزواج والكل ينتظر ذلك اليوم بتشوق وبهجة واستعداد. وللإنجازات في المدينة نكهة خاصة. فالنجاح في أي مناسبة له مذاقه وفرحته الخاصة التي تحمله وخاصة فيما يتعلق بالنجاح الدراسي فلها قيمتها عند الظافر بها في أي وقت تفوق كان. وللترفيه حكاية أخرى بهذه المدينة. تندر عند الكثير وسائل المواصلات حيث لا يملكها إلا من يخضعون لقوانين خاصة بها وتختلف حجم السيارات على حسب المستويات المادية. غداء المدينة ونوعه: لا يوجد طعام يتناوله الناس إلا البر ومشتقاته والزبيب واللحم الذي يكثر حضوره في المناسبات، وقليل من يتهنأ باللحم على أكثر من يوم، وليست هناك قائمة دائمة للأرز وأصنافه فلا يوجد مائدة تحمل صنف هذا الطعام إلا في أوقات متباعدة هذا ما تحمله سفرة المدينة. أفضل ما تتمتع به المدينة من صفات حميدة. لقد ساد الحب والألفة والترابط بين الناس وجمعتهم المودة والاقتراب واشتدت أواصر الرباط بين الجميع. فالكراهية مرفوضة والحقد والبغضاء والحسد ليس لها معرفة عند الكثير وإن حدث شيء من هذا القبيل فهو يكون لفئة قليلة. أجمل أيام المدينة: تمتاز المدينة بفواصلها الأربعة على نطاق العامة بشكل عام وما يصاحبها من تقلبات مناخية وجوية ولكن لفصل الربيع مكانته الخاصة، عند تواصل زخات نقاط المطر ونسمات الهواء العليل ومناظر الطبيعة وروعة السماء الملبدة بالغيوم. وللشتاء ميزته الفريدة رغم شدة برودته القارسة ومشاكله الصحية المتعبة. وللخريف أهميته والصيف كذلك وكيفيته وهكذا هي المدينة التي كانت بالأمس القريب البعيد. وللقرية مشهد مماثل من المدينة: إن بيئة القرية لها صورة حية مشابهة لملامح بسيطة من المدينة من حيث العادات والتقاليد في المناسبات والممارسات، كل بحسب نشاطاته وميوله وطبيعة الغذاء والملبس في السابق، ولكن القرية تختلف في جزء من النمط السكني فالمعمار يغلب عليه البناء الطيني المغطى بالحصير، وهو محاط بحيطان تلف السكن وفي زواياه تقاطعات لتسهيل حركة السير لكل من يأتي إلى هذا المنزل ويخرج منه. ولكنها محمية بأخشاب منزحة لا يوجد بها مفاتيح مغلقة إلا أدوات بسيطة وضعت من أجلها للطمأنينة!!. وهناك البساتين والحقول الخضراء والنخيل الباسقة المثمرة على امتدادات متفرقة من هذه القرية يديرها إنسان هذه القرية الذي يلعب دور المحترف في زراعة البذور والسقاية للحرث والمدبر لمراعي الحيوانات وإعلافها.وتسكن الروحانية كل أنحاء القرية فلا يوجد حركة إلا شيء قليل وعادي. وللأجواء اختلافاتها في القرية: فحين تتواصل الأمطار تكثر السيول في الجواد والمجاري (وتتهمر المثاعب) وهي التي تصرف المياه من سطوح المنازل وتدخل الرهبة في قلوب الناس من هول مجارف السيل وتبقى الفصول الأخرى بنفس مكانتها بشكلها المعتاد هذه هي معالم القرية في الماضي. وتتباهى الصحراء بروعتها الساحرة: وتنقسم البراري ذات المساحات الطويلة والامتدادات العريضة مما هو قريب وبعيد، وللصحراء عشاق دائماً الاتصال بها ولكن تبقى نوعية أخرى لا تتقبل بالفراق عنها ولا تعترف بحياة أخرى دونها. ربما تحكم الظروف فيضطر المراح عنها ولكن لوقت محدد فهي بالنسبة له كمثل السمكة في البحر لا تتأقلم في أي بيئة لتعيش في أي موقع يحتضنها. هذه حياة ابن البادية في السابق لا يعترف بمقر إلا في بساط البر بين الرمال والشجر وفي أروقة بيوت الشعر والخيام المنصوبة على الدوام ولا يزال هناك من هو قائم إلى هذا العصر ولكن من الشيء نادر وإلا الغالبية فقد هاجر الكثير من البدو الرحل من الصحراء واستوطنوا المدن وما حولها، نظراً لعوامل الحضارة والدخول في عالم العمل والتعلم والتغير وإلا وإلى زمن قريب كان أهل الصحراء لا عنوان لهم إلا عن طريقها ولكنها حكمة الحكيم العليم. والبادية ليست مستهدفة فقط من فئة معينة فالناس عامة يلتهفون إليها لما حبيت به من مكانة روحانية كبيرة في رقعاتها المتناثرة فيكسوها الروض والخضرة وتغرد على سماها الطيور لفترة محددة عند الحلول على أراضيها في أحد فصول الموسم أو في غيرها من فترات أخرى. وهناك من يستفيد من فصل الربيع حيث يمكث لفترة طويلة ينصب من خلالها الخيام طمعاً في استغلال هذه الأرزاق الثمينة والمفيدة لهم وخاصة من يعتني بالمواشي وفيه من يقوم بالتنزه من مكان إلى آخر. آه يا لها من مناظر خلابة وجذابة لكن للأسف أصبحت الصحراء تتدرج في التغيير رغم ثبات طبيعتها إلا أن أجواءها في الأول حتى عهد قريب كان أجدى ولا يعني ذلك أنه أقل فالبادية هي هي لم تتغير. وكذلك هناك نقطة أن البعض لا يحترم خصوصيات المتنزهات والصحراء أهمها، فهناك إلقاء المخلفات ورميها في غير مكانها وهذا يسيء إلى مظاهر هذه المنتجعات. ما أروع الصحراء وإن اختلفت فتظل في معناها الحقيقي. ها هي الصحراء وها هو عالمها. هذه ملامح بسيطة وصور قليلة من كثيرة لحياة كان يملؤها الحب ويسيطر عليها المودة والألفة ويوقدها الترابط والتواصل ويتصف بها الصدق. هكذا هي حياة الأمس التي غابت شمسها. إن المعيشة التي كان يهنأ بها الأجداد والآباء وحتى من أتى بعدهم كانت فيها البساطة والسهولة والأريحية. كان عصرهم يرفرف عليه علامات تحمل فيها الخير والصلاح والتواضع والتقارب. حكايات واقعية عرفت في المدينة وتحدثت فيها القرية وقصتها الصحراء. يا لها من تأملات تستحق الروعة بطلها إنسان ذاك الزمان الذي هاجر كثير منه ورحل معه جمال عصره. ولم يعد الآن إلا سلالة متوارثة من تلك البقايا الخالدة والأمل معقود في بركاتهم. هذه الحياة سنتها مفترقات ومقاديرها تغيرات وتحولات. إن دنيا عالم اليوم أصبحت في مفترقات مذهلة ومحدثات مثيرة، شيء غريب يدعو للدهشة والعجب يطرح التساؤل: ماذا أصاب مجتمعنا في الوقت الحاضر؟ مَنْ الذي تغير البشر أم الزمن أم الاثنان معاً؟ يا له من لغز محير! يا تُرى ما الذي أصاب حياة الحاضر؟ إن ما تزخر به الحياة في هذا العصر من تقدمات تكنولوجية وأجهزة مبتكرة مبهرة من خلال وسائل اتصالات ومعلومات تقنية يوافق الرسالة المحمدية. وهنا لا يعني أن يكون للصد موقف تجاه هذه الاستحداثات، فالعلم مطلوب والمعرفة مهمة في كل الأحوال وحتى آخر لحظة في نفس الحياة. والحقيقة التي عليها محور هذا الموضوع هو تغيرات البشر في هذا الوقت أصبحت الأنفس بصفة عامة مستاءة من حياتها تلتهب بالتذمر وتتألم بالقهر وتتشبع بالحسرة وتنشغل بالقلق وتتراقب بالغيرة والحسد وهكذا مما تمر به مداخل بعض الأنس في هذا الزمن. لقد غاب عن الكثير روح الحب ومعنى الكلمة وصدق المشاعر والاقتراب من الألفة والاتصال والبسمة الحلوة الحقة وإن وجدت فهي وقتية - والمعاملة اللطيفة الرقيقة لا أدري حقيقة ماذا انتاب الناس وأنا واحد من الناس من هذه الصورة المحزنة المؤسفة وهل تستحق هذه الدنيا الفانية كل هذه التصرفات؟ التي هاجمت مجتمعنا منذ فترة قصيرة قياسياً بمسافة الزمن، الكلمة الحلوة ليس لها مخرج إلا عند قليل من كثير؟. الوقفة عند الشدة ليس لها إلا أخيار معدودة وإجابة الدعوات ليس عليها إلا إقبال محدود وعلى حسب الرغبة وتقلب المزاج!! صلة الرحم وتأدية الحقوق التي تحث القيم الشرعية عليها نجد هناك من يتخلف في أداء واجبها والمماطلة في المطالب الخاصة كثيرة في هذا الوقت!!. الاختلافات والمشاكل التي تحدث بين هذا وذاك، تشتت الأحبة وتفرق الجماعات!! المصالح الدنيوية تحتجب عند البعيد وتكشف عند القريب والخدمات الأساسية الممنوحة للجميع باتت مملكاً لدى من يرون أنهم هم المهيمنون، والمرافق العامة تحولت لأهداف خاصة للتبادل بين ثلة من المؤجرين عليها فقط من أجل المصالح (شد لي واقطع لك للأسف هذا ما يشاهد من مجموعة من الرجال المخلصين لخدمة مجتمعهم)!!. وغير ذلك مما حل من تخلفات سادت مجتمع كان عنواناً للطيبة والمرجلة والمحبة الصادقة والوقفة الجادة والأداء بالتساوي مع الجميع لا فرق بين بعيد وقريب والمساعدة في كل الظروف ومع كل محتاج. ولكن الأمل بالله (ولا حول ولا قوة إلا بالله). ووصف العلاج بهذا بسيط ولكن كيف؟! كيف؟؟ هذه هموم وتساؤل يحتاج إلى الشيء الكثير والحل يستطيعه من يعنيهم هذا الأمر، كل بحسب قدرته، ومن ذلك عقد النية الصافية الصادقة والعزيمة الأكيدة والصراحة مع الذات، وتجنب الغرور والبعد عن الأنانية والتداخل مع الأطراف والحث مع التواصل والتقرب مع الجميع وخصوصاً أصحاب الحق الأكبر من الوالدين ومن حولهم. فالمطلوب هو أن لكل فرد مسؤوليةً عليه، فأداء إجابة هذه الرسالة المنوطة به والحرص على إسعاد الآخرين وبناء شخصية يثني عليها الجميع وما أنا إلا آمل أن أكون واحداً من هؤلاء الذين يبحثون عن مكانتهم عند الآخرين، والأمنيات بأن تطل إشراقة شمس تزهر بها وجوه مشرقات مستبشرات بالتآخي والتعاضد والحب الجميل الأكيد. وهذا لا تزال مجموعات فيها الخير الكثير والحمد لله المجتمع السعودي خاصة يوجد به أناس علامتهم مضيئة تدل على أصالة معدنهم وحسن تعاملهم وطيبة خلقهم ولكن ما ذكر هو للبعض وليس للكل في بعض من الجوانب السلبية وكذلك ينطبق هذا على عامة المجتمعات. والمرجو أن يكلل الله المساعي بالنجاح وأن يهدي بنوره الصلاح والألفة.
|