يكتب الدكتور عبد الله بشارة، وهو اسم معروف ومرموق في صحيفة الجزيرة ذات العدد 11913 المؤرخ في الحادي عشر من أيار على صفحة المقالات مقالة تحمل العنوان كما يلي: (المؤتمر القومي العربي، مقصورة الخرافات والنكبات) وحيث إنني أحد أعضاء المؤتمر منذ فترة ليست بالقصيرة، فإنني أجد من حقي أن تكون زاوية نظري في تقييم المؤتمر زاوية مخالفة، ولو أن عنوان المقالة في مقصورة الخرافات والنكبات، لا يبسط الفرشة لحوار هادئ ورزين. يفتتح السيد بشارة مقصورته بشهادات مستعارة بأقلام آخرين، فهو يدفع إلى الحلبة كمدخل استهلالي فقرةً مؤلفة من مئة وخمس وستين كلمة، دلالة على تقييم المؤتمر، من قبل السيد الدكتور خالد شوكت مدير مركز دعم الديمقراطية في لاهاي، ثم يأتي بالفارس الثاني كي يدفع به إلى الحلبة، وهو السيد الدكتور العراقي داود البصري، ليتكئ على مئة كلمة إضافية، وفي ذلك ما يشكل نصف مجموع كلمات المقالة القائمة على سبعمائة كلمة، تزيد أو تنقص بقليل. وبالطبع فإن المسألة لا تدور في التعداد الكمي للكلمات، فكم من مقالات العمود، بزَّتْ في كثافتها وعمق تحليلها، مقالات نصف الصفحة أو الصفحة الكاملة، التي ربما لا تحقق الهدف المرجو في إضافة معلومة أو إشاعة منهج... وهنا لابد من العودة إلى المضمون، وما تشكله المقالة من معان وتقييمات. فبإطلالة على ما يقوله صاحب المقالة، نقلاً عن الدكتور خالد شوكت في لاهاي، نعثر على الإيضاح التالي: (في مؤتمر الجزائر، لابد من القول بأن الأقلية كانت تطمح إلى أن يخرج البيان الختامي للمؤتمر بمساندة واضحة لحركات سياسية عربية إصلاحية لا يشك أحد في ولائها الوطني القومي، مثل حركة كفاية في مصر التي تطالب بعدم التمديد والتوارث لآل مبارك، أو لحركة الأحزاب المغاربية المنادية بمغرب عربي دون سجناء سياسيين، أو للحركة الحقوقية السورية المتطلعة للإصلاح والتغيير، بآليات عمل وطنية داخلية، غير أن طموح الأقلية قد جوبه بوَلَع الأغلبية الدائم، بمجابهة التحديات الخارجية، الأمريكية والصهيونية، وهو ولع يشبه إلى حد كبير، عمل الأنظمة الرسمية العربية المهووس بمجابهة التحديات الأمنية). ثم يضيف على المقطع فقرة تنم عن أسف د. شوكت و(استغرابه لرفض القوميين العرب للفيدرالية العراقية، في حين كان صدام حسين أول القائلين بها سنة 1970، وأهم الموقعين على الاتفاقية الخاصة المؤطرة لها عام 1974). وبادئ ذي بدء، لابد لنا أن نعتذر للأخ القارئ عن الإطالة في الاستشهاد، لكن وكما يقال فإن في الاختصار يسكن الشيطان، وهو شيطان النقل بتصرف، أو بإيجاز كيلا نتهم بانتقائية مختارة، تؤسس لما نريد البرهنة عليه. دعونا نعيد على مسامعكم هذه العبارة المُقتضبة (الأقلية تطمح بمساندة واضحة لحركات عربية إصلاحية). لدينا الآن صورة واضحة عما دعت إليه فقرة الإصلاح السياسي في البيان الختامي وإليكم إيجاز بأهم معانيها: (تدارس المؤتمر قضية الإصلاح السياسي الملحة في جميع الأقطار العربية، ونظر إليها كعملية واجبة ومستمرة) تهدف إلى إقامة النظام السياسي على قواعد ناظمة من التعددية وسيادة القانون وتداول السلطة والفصل بين مكوناتها الثلاثة، كما يعزز المؤتمر مبادئ المحاسبة ومحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان، ويؤكد المؤتمر أن عملية الإصلاح باتت فريضة سياسية وأخلاقية يتوقف على تحقيقها وإداراتها مستقبل الأمة). أما الدعوة لتأييد حركة بعينها مثل كفاية المصرية، أو الأحزاب المغاربية أو الحقوقية السورية... فهي دعوة ذات مكاييل، فإذا ما أُقفلت التسمية على عناوين بذاتها، فإن حركات أخرى، وقد تكون هي الأهم، يجري إغفالها، إذ لا يستطيع الدكتور بشارة، أو شاهدُهُ الآخر (المعني د. شوكت)، أن يغمضا أعينهما على نضالات حركات إسلامية، سلامية ومعتدلة، سواءً في مصر أو سورية أو فلسطين والعراق، فالمؤتمر القومي العربي لا يستطيع أن يظهر طرفيّة منحازة لفريق دون آخر، بل هو في عميم الكلمة يقول: (في سعيه لعقد مؤتمر عربي شامل، فإن المؤتمر القومي يدعو كل التيارات الوطنية والإصلاحية لوضع ميثاق شرف تتوافق عليه مُختلف الفعاليات السياسية ويمثل برنامج عمل الحركة الشعبية... على أن من المهم أن يتضمن الميثاق المأمول، النص على التعددية وحرية المشاركة في اتخاذ القرار، كما ينص على الديمقراطية كنظام سياسي أمثل، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتمكين السياسي للمرأة، وشرعة حقها في التعليم والحصول على فرصة عمل دون أثرة أو تمييز). وفي مقصورة الخرافات والنكبات، هناك ما يمكن الاستزادة منه والتزيد، خاصة ونحن نُفاجأ بعَطَبٍ مفاهيمي يؤسس لالتباسٍ فاجع بين الحكم الذاتي للأكراد والفدرلة التي يطالبون بها اليوم، إذ ما منحه الرئيس السابق صدام للأكراد هو حكم ذاتي تم الوفاق عليه في آذار، وفق هوامش استقلالية ثقافية وتربوية ولغوية وسياسية... على ألا يمس ذلك صلة الارتباط بالمركز، ففي بريطانيا مثلاً تقوم الفدرلة بين الأقاليم تبعاً لقانون عام أعطى الحرية لأيرلندا كي تكون جمهورية، واسكتلندة كي تكون اقليمياً حاكماً لنفسه وبنفسه... لكن محرمات القانون كانت في عدم جواز حرية تقرير المصير، أو حق الانفصال عن جسم المملكة المتحدة البريطانية، والفيدرالية في سويسرا هي غيرها في ألمانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، على أن ما يجمع بين هذه الفيدراليات هو عدم التشابه في شيء، فكل فيدرالية كان لها تاريخها وأسباب منشئها وقانونها الذي صاغه البشر واتفقوا عليه، أما في العراق فيأتي طلب الفدرلة على عكس نشوء الفيدراليات في العالم. فالفيدرالية في الأساس هي مطلب لجمع مكونات منفصلة، فهي على هذا تتقدم من واقع مجزأ، إلى مطلب واقع اتحادي متحد، إنها تتجمع في الحواشي لتلتقي في المركز وليس العكس، أما أن ينطلق نداء الفدرلة من كيان موحد فالوجهة هي التمهيد للانفصال وليس غيره، وقد قالها العديد من الأكراد المثقفين دون مداورة أو لبس إذ إن الأكراد، كما يؤكد د. محمود عثمان (لهم ملء الحق في أن يعملوا لتأسيس دولة خاصة بهم) ويشير الدكتور العراقي المؤرخ هارون محمد، عبر فضائية المستقلة مساء يوم السابع من أيار إلى أن أموالاً خارجية تنفق داخل العراق من أجل تشجيع المطالبة بفيدرالية ثانية للجنوب!. أما الشاهد الثاني في مقصورة الخرافات فهو الكاتب العراقي داود البصري، فعنده (أن السيد خير الدين حسيب، ظل يتولى قيادة الحملات التضامنية مع نظام صدام حسين... وأنه عقد خلوة بمفرده مع صدام... مما يؤكد على عمق الارتباط التنظيمي بين صدام وقيادة المؤتمر الذي يجمع في تشكيلاته كل الجماعات والأشخاص والأطراف المتعاونة مع صدام والبعثيين العراقيين بشكل علني ومفضوح وفج). لدينا الآن قائمة بأسماء المشاركين وبلدانهم، فضلاً عن المراقبين والضيوف، وقد بلغ المجموع العام في مؤتمر الجزائر زهاء مئتين وعشرين عضواً من البحرين ومصر واليمن والعراق والجزائر وتونس والأردن وموريتانيا والمغرب وفلسطين وبريطانيا والسودان وسوريا وهولندة والولايات المتحدة والسويد وسويسرا وفرنسا والدانمارك وقطر والإمارات... فضلاً عن شخصيات رسمية مثقفة وواعية. فهل من المعقول أن يجر إنسان واحد، مهما بلغت كفاءته كل هذه المجاميع من مفكرين وأساتذة جامعات وكُتّاب ومثقفين من حربيين وإيديولوجيات بخلائط شتى.. إلى حيث يهدف الأستاذ حسيب أو يأمل، فإذا كان هلع السيد بشارة من أن البيان الختامي لمؤتمر الجزائر قد وجّه إهانة للشعب العراقي كونه اصطف إلى جانب القتلة والإرهابيين... فكيف به وهو يطعن في وعي المئات من زهوة المثقفين العرب، وهم يأخذون صفوفهم وراء نظام صدام حسين؟! كيف له أن يصف مؤتمراً قومياً عربياً، وكأنه على أطيافه المختلفة وإيديولوجياته المتباينة على صلة المجرور إلى نظام رسمي عربي، أما الاجتماع مع صدام فكان دائراً على قدم وساق، مع الأكثرية من رؤساء وزعماء العرب، قبل وبعد احتلال الكويت، إذ ليس شيئاً استثنائياً أن يعقد الأمين العام لمؤتمر قومي عربي اجتماعاً خاصاً مع رئيس عربي، إلا في الغمز من قناة (الخلوة)، حيث جميع رؤساء العالم يعقدون اجتماعات (خلوية)على انفراد، لا مع نظرائهم المقابلين فحسب، بل وجميع الشخصيات التي يختارونها على انفراد... وتبقى ثلاث أطروحات عن المؤتمر القومي من عمل د. بشارة ذاته، وهذه الأطروحات لا تختلف في السياق كأن يسمي المقاومة إرهاباً، والمقاومين قتلة وأنصار سلطات إبادة وإجرام، تماماً مثلما يتم اكساء المقاومة لبوساً ليست هي فيه. فمما لاشك فيه، أننا على طرفي نقيض في التقييم، فالرئيس بوش نفسه سبق له أن اعترف بشرعية المقاومة ضد المحتلين، أما الإرهاب فعمل من أعمال مصالح خارجية، لا هو في عير العراق ولا نفيره، فالإرهاب يجري بقصد تشويه المقاومة الشرعية في القوانين العالمية وما تخفى عليه أمتنا وديننا الحنيف، أما أن يجري الترويج لمقولة الإرهاب دون ذكر شرعية المقاومة بالمقابل، فهي الإهانة لشعب العراق، وحقه في إنقاذ بلده. وبالعودة إلى أطروحات السيد بشارة عن المؤتمر فإننا نصادف ما لم يكن في الحسبان أو خطر على قلب بشر، فالمؤتمر القومي عنده، هو ذاك المشروع الساعي لهدم الدول الخليجية، وهي أطروحة أولى. ومن أدبيات المؤتمر من مركزه أنه لا يعترف بحقوق الأقليات وهو يستطعم العودة إلى حكم الشوفينية البعثية ذات الإيديولوجية التوسعية وعدم الاعتراف بنهج الديمقراطية... وأكثر الخرافات التي يتحمس لها المؤتمر هي خرافة الوطن العربي الواحد... وهي أطروحة ثانية. وما زال المؤتمر القومي على منواله القديم في تمجيد التسلط والدفاع عن الديكتاتوريات وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان... وهي أطروحة ثالثة. ولكي يقطع الشك باليقين، فإن الدكتور بشارة يؤكد (نحن نعرف هذه السياسات ليس من الوثائق فقط وإنما من منتديات ومحاضرات وسمعناها - بل - وشاركنا فيها). ومع ذلك - لا وجود لوثيقة واحدة تؤيد أية واحدة من اطروحاته الثلاث، وهو لا يستحضر اسماً لمنتدى أو تاريخاً له، ولا محاضرة مشفوعة باسم صاحبها ومكانها أو زمانها، بل يتوج اتهامه المثلث، بيقينية السمع والمشاركة، مما ينأى عن الموضوعية ومنهاجية العرض. ومما لاشك فيه أن خلافات شتى كانت قد عصفت بالعلاقات بين العديد من النظم السياسية العربية في حينها، وقد سبق لهذا النزاع أن اندلع في الفكر السياسي، ما بين أنظمة مَلَكية وجمهورية، ثم بين أنظمة تدعي الاشتراكية، وأخرى تزعم أنها على خط الاقتصاد الحر، ثم بين خطوط وخطوط، وأحزاب... حتى أن الخلافات كانت تستدعي استنفار جيوش مقابل جيوش (مصر والسودان على حلايب. والمغرب والجزائر على الصحراء، ومصر وليبيا على الزعامة، وسوريا والعراق على زعامة الحزب، وسوريا والمملكة الأردنية على الهلال الخصيب... إلخ), أو على التاريخ (العراق والكويت)، وكانت جميعها نزاعات رؤى وخطوط وإيديولوجيات وسياسات... إلا أن أياً منها لم يخل من عامل خارجي يتفاوت، فلماذا الهروب من تاريخ الوقائع والأحداث، ونحن من الجيل الذي عايش معظمها؟! أمن أجل شحذ المبضع لتشريح المؤتمر القومي بما ليس فيه... فالمؤتمر القومي إنما جاء بهدف احتضان جميع أولئك الذين اهتجسوا بفكرة القومية العربية، لا فرق بين محيط وخليج، فهو من المشارب الفكرية والسياسية على أنواعها (إسلامية - قومية وحتى قطرية) ولا يستغرب أحد إذا سمع بتلاوين حضور من الكردية إلى الآشورية والتركمانية والأمازيغية إلى آخر السلسلة من الأطياف والمذاهب والقوميات في عالمٍ واسع ومتمايز. لقد كان المؤتمر منذ خمسة عشر عاماً وما يزال يهدف إلى التقدم الجماعي نحو اجتراح لغة مشتركة في مقاربة قضايا ومعضلات واقع، وفي أفق بناء وصوغ إدراك مشترك، يعلمنا كيف نختلف وكيف نتفق لأن مواجهة نزعة التفكيك تستدعي ما يؤمن به المؤتمر وحدة في تنوع وتنوع في وحدة، فالمؤتمر ليس نظاماً أو حزباً مالكاً لناصية القرار كي يشطب حقوق الأقليات أو يدعم نهجاً شوفينياً لا يعترف بحقوق جماعات القوميات الأخرى، وهو لا يملك سلاحاً كي يفرض ما يؤمن به بحق القوة... فلماذا العودة إلى المربع الأول في تاريخية احتراب وسرمدية مجابهات... أليست هي دعوة ساعية إلى التفكيك من جديد، ألا نتعلم من أمم شتى كيف تتقارب وتتجمع في كيانات قارية، بعملة واحدة وبرلمان واحد وحلف عسكري واحد... بالأمس سمعت تعليقاً من مواطن إنكليزي عن الانتخابات البريطانية الأخيرة، فعندما سُئل عن دواعي نجاح حزب العمال من جديد، رغم كل الانتقادات الموجهة لسياساته، أجاب المواطن (لأننا نحن معشر البريطانيين لا نحب انتخاب الأحزاب المنقسمة على نفسها) وفي ذلك تجربة لمن يريد أن يتعلم.
حمدان حمدان عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي |